حقوق الانسان والمجتمع المدني

هل تستطيع روسيا فرض رؤيتها للحل في سوريا؟!

المحامي ميشال شماس

تسعى روسيا الاتحادية إلى استثمار انتصارها في حلب، وتستعجل فرض حلِّ سياسي في سوريا وفق منظورها، مستغلة انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بترتيبات تولي ترامب رئاسة الإدارة الأمريكية، وبعيداً عن دور عربي، والغياب العربي لم يكن أمراً مفاجئاً، على اعتبار أن الدور العربي كان ومازال غائباً تماماً عن كل ما له علاقة بالعرب والمنطقة العربية، بدءاً من اتفاقية سايكس- بيكو التي قسّمت المنطقة العربية وفقاً لرغبات فرنسا وبريطانيا، وما تلاها من أحداث مهمة، أهمها تهجير الشعب الفلسطيني من دولته لمصلحة قيام دولة “إسرائيل” التي توالت اعتداءاتها على الدول العربية، في ظل تشتت وتشرذم عربي متزايد، وصولاً إلى “الربيع العربي” الذي أغرقته أنظمة الحكم العربية بالدماء والدمار بدعم دولي ظاهر .

ولهذا استبقت موسكو الإعلان الرسمي لانتصارها وحلفائها في حلب، لتعلن عن عقد لقاء ثلاثي في موسكو ضمّ إليها كلاً من إيران وتركيا، ولم يؤثر اغتيال السفير الروسي في أنقرة على اجتماع المجتمعين وخروجهم بإعلان يحدد الملامح العامة لسير التسوية السياسية في سوريا، وتحديد مدينة الأستانة عاصمة جمهورية كازاخستان الحليفة لموسكو كمنصة لبدء حوار سوري- سوري، مع بداية عام 2017، وبضمانة الدول الثلاث الموقعة على إعلان موسكو.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو إلى مدى تستطيع روسيا استثمار نجاحها العسكري في حلب خصوصاً لفرض رؤيتها للحل السياسي في سوريا؟

إن الجواب على هذا السؤال مرهون إلى حد كبير بمدى ثبات العوامل التي ساعدت روسيا في تثبيت هيمنتها على سوريا، ونجاحها بالتالي في إلحاق هزائم متتالية بالفصائل العسكرية المعارضة للنظام السوري، وبعبارة أخرى إن قدرة روسيا على فرض رؤيتها للحل السياسي في سوريا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوفر ثلاثة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمها أولاً بقاء السياسة الأمريكية حيال سوريا على حالها؛ تلك السياسة التي أفسحت المجال أمام روسيا للتدخل العسكري المباشر في سوريا. وثاني تلك العوامل يتعلق ببقاء الموقف التركي الحالي من سوريا واستمرار تقاربه مع الموقف الروسي. وأما العامل الثالث فيرتبط باستمرار انقسام المعارضة السورية وضعف التنسيق فيما بينها، ولاسيما العسكرية منها.

إن بقاء العوامل الثلاثة على حالها سيمكّن روسيا من استثمار نجاحاتها العسكرية، وبالتالي فرض رؤيتها لكيفية حلّ الأزمة السورية بما يتوافق مع مصالحها، لكنّ أي تغيير في أي من تلك العوامل سواء المتعلقة بالسياسة الأمريكية أو الموقف التركي، أو نجاح المعارضة في التوحّد وصياغة مشروع وطني، سيضع النجاحات الروسية في سوريا على المحك، ويعرضها إلى فشل وربما يتحول إلى نقمة على روسيا، وتجربة الروس في أفغانستان ليست بعيدة.

ولهذا، ولتحصين “إعلان موسكو الثلاثي” من أي فشل قد يتعرض له، وجهت  موسكو رسالة اطمئنان إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أنها وتركيا وإيران لا يريدون احتكار أي حلّ في سوريا، ولا إقصاء أي طرف دولي أو إقليمي، وأن “إعلان موسكو” ليس إلا مجرد إطار عام يمكن التوافق على صيغته، بانتظار تسلم “ترامب” رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، للتوافق على صيغة نهائية للحل في سوريا تستند بشكل أو بآخر على الصيغة التي أعلن عنها في اجتماع موسكو..

إن “الانتصارات” التي حققتها روسيا في سوريا،  وإخضاع حلب وتهجير جزء من سكانها لن يحسم الأمر لصالح روسيا وحلفائها، ولن يستطيع أن يضع حداً لانتفاضة الشعب السوري من دون حلّ سياسي يأخذ في الاعتبار مطالب غالبية السوريات والسوريين في الحرية والديمقراطية، وكذلك المتغيرات التي طرأت منذ 15 آذار2011.

وإن استمرار تجاهل المجتمع الدولي لما جرى ويجري في سوريا من جرائم القتل والتهجير والظلم والاعتقال وكم الأفواه ونسبها للإرهاب فقطـ، وتجاهل دور نظام الاستبداد في كل ما حصل ويحصل، وتجاهل الحديث عن محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضدّ الانسانية في سوريا، كمن يبقي الجمر تحت الرماد، وفوق ذلك سيؤسس لبيئة متوحشة أكثر إجراماً في المنطقة، سيدفع ثمنها كل العالم، فجذر المشكلة السورية وأساسها يكمن في الاستبداد والداعمين له.

وباختصار شديد، إن شعباً كالشعب السوري قدم تضحيات هائلة في سبيل حريته وكرامته، لن يهنأ له بال قبل أن ينال حريته مهما طال الزمن.

لقد خرج المارد الشعبي من القمقم، وما من قوة تستطيع إعادته إلى القمقم مرة أخر

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى