تقارير

هدنة برائحة البارود في مدينة الحسكة

..

عادت الحياة تدريجياً إلى طبيعتها في مدينة الحسكة، وبات بالإمكان مشاهدة عدد من المحّال التجارية تفتح أبوابها وتستقبل زبائنها في سوق المدينة. كما يمكن مشاهدة النازحين وهم يحملون حقائبهم في طريق العودة إلى بيوتهم التي كانوا قد تركوها على إثر تجددّ المعارك الأخيرة.

مدينة الحسكة بقيت بمنأى عن الحرب الدائرة في سوريا حتىّ صيف العام الماضي، بعد أنّ شنّ عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” هجوماً واسعاً، وسيطروا على الجزء الجنوبي من المدينة، ولم تفصلهم سوى أمتار قليلة عن قصر المحافظة.

حينها، رفضت وحدات حماية الشعب الكردية، المشاركة بالمعركة، واشترطت تسليم المدينة لإدارتها، الأمر الذي رفضته ميليشا الدفاع الوطني وكتائب البعث والمقنعين المواليين للنظام السوري، وبعد عجز الأخيرة عن التصدي لتقدم عناصر التنظيم؛ قبلت شروط الوحدات وأخلت مواقعها في جنوب المدينة وسلمت الحواجز لسلطة القوات الكردية.

تجددّ الاشتباكات

واندلعت اشتباكات عسكرية في 16 من شهر آب/ أغسطس الماضي، بين (قوات الدفاع الوطني) و(المقنعين) و(كتائب البعث) الموالية للنظام السوري من جهة، وعناصر (الأسايش) -الشرطة المحلية للإدارة الكردية- و(وحدات الحماية) و(القوات الجوهرية) المساندة لها من جهة ثانية، على خلفية اعتقال الجهة الأولى عناصر تابعة للثانية، بالإضافة لسوق الشباب إلى التجنيد الإجباري، الأمر الذي أشعل فتيل النزاع بين الجانبين.

وللمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في سوريا، دخل الطيران الحربي التابع للنظام السوري غمار المعارك المتجددة في مدينة الحسكة، واستهدفت يومها مواقع عسكرية تابعة للوحدات وقوات سورية الديمقراطية، وطال القصف أحياء مدنية أيضاً، ما دفع آلاف السكان والأهالي للنزوح إلى المدن والبلدات المجاورة.

وتدخلت روسيا لإنقاذ الموقف، حيث قامت باستدعاء الأطراف المتناحرة إلى قاعدتهم العسكرية “حميميم” بمدينة اللاذقية، وعقدوا اتفاقاً يقضي بوقف الأعمال القتالية، وتسليم الأسرى والجرحى وجثامين القتلى، إضافة إلى فتح طريق الحسكة- القامشلي والطرق المؤدية إلى أماكن تمركز الجيش داخل المدينة وخارجها، واستمرار العمل لحل المشكلة الكردية، والبدء بمناقشة أحوال الموظفين المسرّحين من عملهم في الدوائر الحكومية.

واشترط الجانب الكردي حلّ مليشيات الدفاع الوطني وكتائب البعث والمقنعين، وفي حديثه مع مجلة “طلعنا عالحرية” قال سيهانوك ديبو المستشار الرئاسي المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي إنّ “وجود ميلشيات ومرتزقة يستخدمهم النظام حينما يشاء يتناقض مع أساسيات ومبادئ الإدارة الذاتية ولا يمكن القبول بها تحت أي ذريعة”، وأضاف “بحسب الاتفاق، غير مسموح لهم بالبقاء في مناطق الإدارة الذاتية وهذا ينطبق على مدينة الحسكة”.

ردود متباينة

ولفت ديبو أن استمرار تطبيق الهّدنة مشروط بالتزام النظام السوري ومواليه وشددّ أنّ “نجاح الاتفاقية مشروطة بالتزام النظام السوري ببنودها وتطبيقها. الإدارة الذاتية حققت طول هذه الفترة درجات متقدمة من الاستقرار والأمن والتنظيم المجتمعي بعكس الفوضى العارمة وفقدان الأمن في أغلب المناطق السورية”، وأشار أن “مناطق روج أفا -التسمية الكردية لغرب كردستان- باتت ملاذاً آمناً لمئات الألوف من السوريين الفارين من مناطق العنف والتوتر” بحسب المستشار الرئاسي لحزب الاتحاد الديمقراطي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يطالب فيها الأكراد بحل الميليشات التابعة للنظام السوري بمدينة الحسكة. فخلال اشتباكات دامية في مدينة القامشلي في نيسان/ أبريل الماضي طالب الأكراد بإعادة النظر بتشكيلات الدفاع الوطني والمقنعين وكتائب البعث، الأمر الذي لم يتحقق حينها.

أما عبد الحكيم بشار نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض، وعضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وصف الاشتباكات الأخيرة التي دارت في الحسكة، بـ”المسرحية”.

ولدى لقائه مع مجلة “طلعنا عالحرية” أكد بشار أنّ “نظام الأسد يسارع في التدخل كلما تعرضت الـ PYD لمأزق سياسي، لأنّ آلاف المواطنين نددوا بممارساته في عامودا والقامشلي ومدن أخرى”.

ونوه عبد الحكيم بشار أنّ “اشتباكات مماثلة حصلت خلال السنة الفائتة بين الطرفين، ولكن عناصر الوحدات والأسايش -الجناح المسلح لحزب الاتحاد- عملت على استغلالها وإيهام الكرد بأنها تحارب النظام، ومن ثَم سعى إلى إخماد أصوات المعارضة الكردية”.

اتهامات متبادلة

واتهم نائب رئيس الائتلاف قوات سورية الديمقراطية بأنها موالية لنظام الأسد، وأضاف: “أنّهم يتقاضون رواتبهم من النظام لأنهم يعملون على حمايته”.

وفي رده على جملة الاتهامات، ذكر سيهانوك ديبو أنّ “بعض الجهات ارتضت لنفسها أدوار التشويه والتشويش بعد أن شعرت حقيقة خروجها من كامل المشهد؛ من بين هذه الجهات بعض من أحزاب أو لنقل بعض من قيادات المجلس الكردي”، وتساءل مستغرباً: “اعتبروا قصف طيران النظام ومدافعه للمحلات المدنية والمواقع العسكرية التابعة للإدارة الذاتية، ووقوع شهداء مدنيين وعسكريين بأنها مسرحية!”.

وتابع ديبو كلامه بالقول: “يدل هذا الاتهام على مسألتين يعاني منهما المجلس الكردي، أولهما الارتهان الكامل لأجندة السلطة التركية وبعض شخصيات الائتلاف وتنفيذ ما يُطلب منهم بدقة، وثانيهما العمى السياسي والعجز البادي من قبلهم في استيعاب تعقيدات الأزمة السورية والتحالفات الطارئة بين النظام وتركيا. والأخيرة ما زال المجلس الكردي يقف إلى جانبها ويتحرك وفق تعليماتها”.

بيدّ إنّ عبد الحكيم بشار ذكر أنّ ممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي: “الظالمة خلال الأربع سنوات الماضية، فاقت ممارسات النظام البعثي الظالم الذي استمر في حكم البلاد قرابة أربعة عقود”، ونفى أنّ يكون يمثل تطلعات الكرد، واتهم أنّ الحزب “يعمل على تأجيج الكراهية والعداء بين العرب والأكراد، وهذه السياسة لا تنعكس إيجاباً على الكرد”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى