الافتتاحيات

لماذا يجب أن يتظاهر السوريون

مجلة-طلعنا-عالحرية-Rising-For-Freedom-Magazine

افتتاحية بقلم د. محمد العمار

لقد وجد السوريون أنفسهم في اللحظة التي خرجوا فيها للتظاهر؛ فقبل آذار 2011 لم يكن للسوريين وجود، كانت صورة الطاغية تمتد على مساحة الوطن حتى لا يكاد يبدو في الوطن أحد غيره، ولا يظهر في سوريا غير الطاغية، ولذلك كانت تسمى سورية الأسد!

لكن في لحظة من الزمان أحسّ السوريون أنفسهم كذوات حرة مريدة، فخرجوا إلى الساحات وهتفوا للوطن، وغنوا للحرية، وتحدثوا عن الكرامة، ووصفوا أنفسهم بأنهم شعب واحد، يطمح لمثل ما تطمح إليه شعوب العالم: العيش في وطنهم بأمان وحرية وكرامة، تحكمهم سلطة يختارونها ويستطيعون محاسبتها، ويستطيعون أن يمارسوا هذا الحق الدستوري المقدس في التعبير الجمعي عن الرأي دون خشية أو ثمن.

لكن النتيجة كانت مؤلمة، لقد شعر الطاغية وعصبته أن أمراً جللاً يحدث في الوطن، يوشك أن يحطم أسطورة “سورية الأسد”، فقابل هذه المطالب بالرصاص الحي، ودفع كثيرون ثمن ممارسة هذا الحق الذي يبيحه لهم الدستور، بل يجعله لهم حقاً مقدساً.. واستمر القمع والقتل وتتالت قوافل الشهداء، ولكن الساحات لم تفرغ، والمتظاهرين لم يتراجعوا، ولم يخلوا الساحات، بل أضافوا إلى مطالبهم القولية، أفعالاً عملية؛ فمزقوا صور الطاغية وحطموا تماثيله وحرروا وجه الوطن.

وفاء لدماء الذين ماتوا لترسيخ هذا الحق، علينا أن لا نتنازل عن هذا الحق، علينا أن لا نفرط فيه، ولا نتراجع عنه، لقد كان هذا الحق من أهم مكتسبات ثورة آذار.. بل هو أهم إنجازاتها، وكانت الساحات أول مساحات الوطن التي حررها الشباب الثائر بالصدور العارية والدماء الطاهرة، قبل أن يكون لديهم قطعة سلاح واحدة، ولذلك علينا أن نصرّ على ممارسة هذا الحق، وأن نرسخ هذه الممارسة حتى تتحول لطقس سلوكي عند شعب سوريا.

يجب أن يصل للذين فقدوا دماءهم لتحرير هذه المساحة في المجال العام، أن التضحيات التي قدموها لم تذهب سدى، وأن دماءهم تركت أثراً لا تمحوه السنون في حياة السوريين.

لم يكن فعل التظاهر اليوم ممكناً من غير التضحيات التي قدمها شباب صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما دام هذا الفعل أصبح ممكناً بفضل تضحياتهم، فعلينا أن نعض عليه بالنواجذ، ونحوله لممارسة طقوسية، إذا كانت الأديان لها مناسك وطقوس فإن المواطنة والمجتمع المدني له طقوس أيضاً، والتظاهر أهم هذه الطقوس، والمجتمع الذي يفقد منتسبوه القدرة على التظاهر يشبه تماماً الإنسان الذي يفقد القدرة على النطق، إنه يفقد أهم شروط إنسانيته.

ولقد كانت صورة تتويج الوريث القاصر عام ألفين غاية في الدلالة والتعبير على فقدان الأهلية الاجتماعية، وغياب الشرط الإنساني في القدرة على الاعتراض على التوريث في أعلى المستويات.

وبالنسبة لنا، وفاء لهذه الدماء، علينا أن نحافظ على هذه المساحة حرةً من أي هيمنة، عصية على كل تطويع، بحيث تصبح وجوداً دائماً في حياة الناس، وحتى يصبح تنادي الناس للساحات مثل الفعل المنعكس الشرطي عند الفرد العادي، تلجأ إليه الجموع كلما ادلهم خطبٌ أو دعت حاجة أو برز تحد.

في ساحات التظاهر تعرف السوريون على بعضهم، وتصرفوا كجماعة متضامنة، وتجاوزوا سياسة التذرير التي كان يفرضها عليهم المركب الأمني الحاكم. وعندها اكتشفوا قوتهم ورأوا قدرتهم على زلزلة الطاغية، تنافسوا في البذل والتضحية والفداء، وفي إبراز أنبل المشاعر وأعظم القيم، التي ظهرت في لحظات فداء الآخرين إخوة الوطن بالروح والدم قولاً وفعلاً.

لقد تفجرت القيم التي تسكن صدور الشباب إلى عزيمة تتحدى الدبابات التي اقتحمت المدن؛ فالمشهد الذي صورته الشاشات لشباب بانياس حدث مثله في كل بلدة وكل مدينة، في بلدتنا الصغيرة “نمر” في جنوب غرب سوريا حدث هذا المشهد كما حدثوني فقد كنت حينها في السجن.

كانت الثورة سلمية، وانحرفت بفعل الضغط عن خطها الأصيل. والفرصة الآن أمامنا لنعيدها سيرتها الأولى، ونحيي من خلال التظاهر، والاجتماع في الساحات روح الثورة الأولى، روح التضحية والفداء والإيثار التي شوهتها ولوثتها قيم الحرب.

إن الثورة تستثير أعلى ما في النفس من قيم وغرائز ونبل، بينما الحرب تستثير أدنى ما في النفس من غرائز وقيم، إنها تحيي فينا غريزة العنف ومشاعر الغضب والحقد والكراهية والانتقام، بينما تنمي فينا الثورة قيم المحبة والتضحية والإيثار. وإن أهم قيم الثورة هي التضحية والفداء والإيثار، بينما أهم قيم الحرب هي العنف والانتقام والغنيمة، لذلك فعلينا أن نعيد ممارسة طقس التظاهر حتى نتحرر من أثر ممارسة طقوس الحرب في القتل والثأر والغنيمة.

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى