ثقافة

كلمتي السّحرية (أحبّك) !

لينة عطفة

أحبك بعدد النساء اللواتي وقعن في غرام أبي وبكيت عليهن لأنهن لم يربحن قلبه!

أحبك بعدد الرجال الذين كنت أهيئ لهم الشباك ليقعوا، فأهرب محتفظة بصورتهم وهم يتخبّطون..

ولأني مازلت أرى الحب بعين الطفولة أحاول عدّه وقياسه وتقدير وزنه..

في الرابعة كنت أعدّ حتى الرقم اثني عشر، لذا كان هذا رقماً قياسياً للحب.. أحبك اثني عشر!

اليوم أضع الحب على مستقيم الأعداد العقدية..

ذات مرّة في سن الثامنة، وبّخني أحد الأقرباء وقال: “لا تقولي كلمة (أحبك) دائماً ودونما سبب وجيه، هل سألتِ نفسك ماذا سيبقى لديك لتقوليه بعد أن تقدمي كلمة (أحبك)”.

على مدى سنوات لم تتغير نظرتي للحب ولا كثافة استخدامي للكلمة، في البداية كانت الكلمة عامة لكل شيء؛ أبي وأمي وإخوتي وأصدقائي.. ومرّة قلت لأمي أحبُّ صديقي فلاناً، فقالت: “كما تحبين أخاك عماد” فشعرت بغضب عارم، وقلت لا لا غير ذلك، ولأقرّب الموضوع لها بناء على ظني الطفولي أنها لم تفهمه قلت: “حب عريس وعروس” فضحكت كثيراً، وإلى الآن تعيد سرد الحادثة وتغرق في الضحك..

اضطررت تدريجياً أن أقسّم للحب أدواره؛ فتارة أخذ منحى الغرام وصرت أقولها لمن وقع عليّ حبّهم.. ثمّ صارت مرتبطة بعثمان أقولها له كلما التقت أعيننا.. وأسعد لأنه لا يتعب ولا يمل!

عاد بي القلب إلى الطفولة فعدت لأقول (أحبك) لكل ما يجعل قلبي مأخوذاً بالفرح..

لأصدقائي الواقعيين والافتراضيين، لجيراني، ولبائعة الحلوى العجوز..

لمعلمة اللغة الألمانية ولجدّتها التي أرسلت لي طبقاً ألمانيا مميزاً.. تضحك معلمتي التي تبلغ ذات عمري وتقول: “لا أقول أحبك لحبيبي إلا في المناسبات الخاصة جداً.. كم أنت كريمة يا لينة!”..

وأقول أحبك لأصدقائي ولأطفالهم، ويجاريني الأطفال ويرددونها مع القبلات والصراخ واللعب..

أقول أحبكَ، أحبكِ، أحبكم.. ولا أخاف أن تكون هذه الكلمة سقف مشاعري.. إنها الفاتحة وحسب..

ثمة الكثير لنقوله ونفعله أمام من يغمرون قلوبنا بالمودة والرضا.. لا أخاف أن يرفض الكلمة أحد أو أن يحمّلها معنى لا تقوى عليه.. إنها كلمتى، سرّي الصغير الذي أفرح بافتضاحه مراراً، مرآتي في أعين الآخرين وسلاحي في وجه الوحدة والخيبة والصمت..

 أفهم أولئك الذين لا يقولونها إلا في حال وعد أبدي بالاستمرار، فتهوّم مفرداتهم حولها دون أن يقولوها، وكأن الفعل لا يدلّ عليها. أفهم من يقولها من خارج القلب على سبيل اللغو دون أن يكون معنيّا بإنسانية الكلمة وعمقها.. أفهمُ من يخاف منها..

ودائماً هناك مشاهد تمنحنا فرصة لفهم ما عشناه وما نعيشه، فرصة للتعبير عن الأشياء كما لم نفعل من قبل، علمني أبي كيف أمنح الحب، كيف أعيشه لكنه لم يخبرني كيف أحافظ عليه فتيّاً. الحب علّمني أن فتوّته شرطها البحث الدائم عن لحظة أولى غمرنا بها، كأنما تبقى قلوبنا عندها لذا نعيدها بشتّى الطرق.. نخلقها مراراً في كل شيء وفي كلّ حب، ونتذكرها، نتذكر اللقاءات الأولى، الضحكات الأولى، الدموع الأولى.. كأنّما الحبّ هو بداية كلّ شيْ.

ولأنّ الهجران يبكيني كما تبكيني القبلة، ظننت الهجر حبّاً وألِفْتُه، لكنّ اللغة لم تمنحه كلمة تخصّه، ففي الحب تقول أحبكّ، وفي الكره تقول أكرهك، وهكذا.. لكن في الهجران ماذا يقول الناس؟ إذ إنَّ كلمة الوداع لا تخصّ الهجران، فالوداع ينطوي على لقاء قادم، والهجران نهائيّ. قلت تليق بالهجران (أحبّك) لأنّه قطيعة بيني وبين ما كان عليه قلبي، بيني وبين الطريقة التي كنت أقدّم الحبّ بها وأتلقاه، أستبدلها فيصير الحب جديداً، والهجران هنا بداية سنبحث عنها في كلّ حبّ!

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى