حقوق الانسان والمجتمع المدني

قضية المعتقلين لغم في مسار التسوية السياسية

المحامي ميشال شماس

تستمر مأساة المعتقلين في سجون وأقبية النظام السوري منذ أكثر من خمس سنوات دون أي اهتمام دولي ولا حتى من قبل القوى المعارضة للنظام التي تلهث وراء سراب الحل السياسي الروسي. هذه المأساة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، سواء من حيث الأعداد الهائلة التي تكتظ بها معتقلات النظام، أو من حيث حجم الآلام الهائلة التي يعانيها المعتقلون نتيجة الاعتقال والتعذيب في ظروف شديدة القساوة، يضاف إليها معاناة أهاليهم وأقاربهم والذين يعيشون في حالة قلق وبحث دائم، في ظل عدم تمكنهم من معرفة مصير أبنائهم، يتعرضون للابتزاز والنصب والاحتيال، وهم مستعدون لفعل المستحيل ليس لإطلاق سراح أبنائهم، بل على الأقل لمعرفة مصيرهم، وهل مازالوا على قيد الحياة أم لا؟!

معاناة المعتقلين كبيرة وهائلة، وهي تحتاج إلى مجلدات لشرحها ووصفها؛ فمن مات مات وارتاح، ومنْ يعيش خارج السجون والزنازين وأقبية المخابرات، لديه على الأقل خيارات أخرى يمكن أن يلجأ إليها للتخفيف من معاناته؛ سواء بجهده أو بمساعدة الآخرين. ولكن من يقبع في المعتقلات ليس لديه أي خيار؛ فهو يعيش وحيداً، لا حول له ولا قوة، في مواجهة سجّان لا يعرف أي نوع من الرحمة أو الشفقة، ويتفنن بتعذيبه ومعاملته بقسوة لا تخطر على بال إنسان. بحيث لا يمكن بأي حال تصور الوضع الإنساني والنفسي والجسدي المأساوي للمعتقلين المعرضين في كل ساعة ولحظة للموت المحقق. ووصلت الأمور داخل المعتقلات والزنازين إلى حد أن الموت أصبح أمنية حقيقية يتمناها كل معتقل للخلاص من العذاب والتعذيب الذي يعيشه في كل لحظة وحين على مدار اليوم.

أمام هذا المشهد المأساوي المغيّب لعشرات الآلاف من المعتقلين، يجري الحديث عن حلٍّ سياسي للقضية السورية التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، لاسيما بعد سقوط حلب واستمرار عمليات التهجير التي يفرضها النظام على مناطق كثيرة في سوريا، وسياسة الاستفراد بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام وعزلها عن بعضها تمهيداً لاستعادتها، وغياب تام لما يسمى بالمعارضة السورية.. ويزداد الوضع قتامة مع بداية العام 2017 في ظل استفراد تام لروسيا بالوضع السوري، واستمرار هيمنتها على مجلس الأمن بفعل الفيتو ومنعه من اتخاذ أي قرار لا يراعي مصالحها في سوريا، يقابله استمرار التردد في الموقف الأمريكي والغربي عموماً، وعجزه المستمر عن مواجهة الموقف الروسي الداعم لنظام الأسد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن دولاً غربية عديدة بدأت تتراجع عن مواقفها السابقة المطالبة بضرورة رحيل نظام الأسد لصالح “محاربة الإرهاب”.

إن تغييب قضية المعتقلين في جميع المشاورات واللقاءات الدولية الجارية حالياً، هو أمر غير مقبول ومرفوض، وإن استمرار تغييبها سيلحق الضرر بمستقبل الحل السياسي في سوريا، وإذا كان تغييب قضية المعتقلين من جانب نظام الأسد وروسيا أمراً مفهوماً، لكن من غير المقبول ومن المستغرب جداً أن يتم تغييب هذه القضية الإنسانية من قبل أطراف المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري. على اعتبار أن ملف المعتقلين بات يمس حياة أغلب السوريين نظراً للأعداد الهائلة التي مازالت تقبع في الزنازين، وهو سيتحول إلى لغم كبير سينفجر في وجه أي تسوية سياسية للملف السوري، ما لم يتم النظر إليه بجدية، وضرورة لحظه كشرط لإنجاز أي اتفاق يفضي إلى حل سياسي للقضية السورية.

إن قبول ما يسمّى المعارضة السورية برؤية موسكو للمشاركة في مفاوضات أو محادثات الأستانة مع نظام الأسد، دون الأخذ بعين الاعتبار قضية المعتقلين وعملية الانتقال السياسي التي تفضي إلى قيام دولة ديمقراطية، سيؤدي بها المطاف إلى توريطها بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية تحت قيادة نظام الأسد، وهذا ما سيجعلها شريكة أساسية مع نظام الأسد في استمرار المأساة السورية، لأن نظام الأسد معروف أنه لن يسمح بأي تغيير حقيقي في طبيعة نظام الحكم في سوريا، وهو دمرّ سوريا واستجلب التدخلات الدولية من كل حدب وصوب، رافضاً أي تغيير أو حتى إصلاح في بنيته من أجل أن يبقى في كرسي الحكم.

 لنعمل ما بوسعنا، ولنصرخ بأعلى أصواتنا، طالما يوجد معتقل واحد سواء في سجون وزنازين النظام أم في سجون المعارضة المسلحة!

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى