قضايا المرأة

قضية المرأة بين الحقيقة والزيف

مجلة-طلعنا-عالحرية-Rising-For-Freedom-Magazine

يوسف المنجد

يعالج الكثير من المفكرين والكتاب على اختلاف انتماءاتهم قضية المرأة،ويعتبرها معظم هذا الكثير – وهو محق – قضية نهضوية وحضارية محورية،أي أن عدم معالجتها يعوق النهضة ويحول دون اللحاق بركب الحضارة.ويعزون بالتالي قسما كبيرا من التخلف والانحطاط الذي يلف أمتنا العربية والإسلامية، إلى تردي وضع المرأة ، والذي يربطونه بالعقلية الذكورية المهيمنة التي تمتد جذورها عميقا في ثقافتنا وتراثنا، وأنه مالم تتم معالجة قضية المرأة أسوة بما فعلته الحضارة الغربية، التي حررت المرأة وساوتها بالرجل في شتى المجالات، فلن تعرف أمتنا نهضة تذكر، وسنبقى نراوح في مكاننا متخبطين بوحول الجهل والتخلف .

 هذه المعالجة المجتزأة ، التي تسلخ قضية المرأة عن قضية الإنسان الكبرى، تجري منذ قرن تقريبا، منذ هدى شعراوي وقاسم أمين، وهي لا تزال تجري على نفس النسق، ومع ذلك لا تزال القضية ساخنة مع نتائج هزيلة. فهل يعود السبب في ذلك الى سوء المعالجة أم إلى صلادة القضية؟ أم إلى أن القضية برمتها زائفة وغير حقيقة؟ وأن ما تعانيه المرأة ليس مشكلة أساسية، وإنما هو عرض أو مفرز لقضية أخرى؟ وأنه بمحرد علاج أصل الداء أو المشكلة ستتبدد قضية المرأة  من تلقاء ذاتها؟ وهو ما نميل الى تأييده في هذه العجالة.

بل نذهب إلى أبعد من القول بأن قضية المرأة زائفة وغير حقيقية فنقول: بأن معالجة قضية المرأة بهذا الشكل، هو أحد أسباب تجذر هذه القضية وتضخمها وتكريسها والفشل في معالجتها. أي أن معالجة قضية المرأة بهذا الشكل هو سبب رئيس في وجودها، ذلك أن أصل المشكلة هو مشكلة إنسان بغض النظر عن جنسه، وأن تخصيص المرأة بقضية منفصلة عن قضية الإنسان بشكل عام، هو في حد ذاته حط من قيمة المرأة، أو رفع لها الى مرتبة أعلى من مرتبة الإنسانية، وهذا ما لا نعتقد أن المرأة تريده .

وهو كذلك كرس لدى قسم كبير من النساء  شعورا اضطهادياً، يؤدي في الغالب إلى ردة فعل عدائية تجاه الرجل بشكل خاص  باعتباره ممارسا للاضطهاد والقهر، وتجاه المجتمع بشكل عام باعتبار أن قوانينه وعاداته وتقاليده ومعتقداته هي السبب رواء الوضع المزري الذي تعيشه، وهي استجابة سلبية لا تُحدث فارقا أو زحزحة في الثقافة المنتجة لهذا الوضع، بقدر ما تؤدي الى نتيجة عكسية تتمثل في ازدياد التشبث بتلك العادات والتقاليد ورسوخ القناعة بصوابها كون هذا القسم من النساء غالبا ما يتمرد بفجاجة على المجتمع، الذي ينتج بدوره استجابة مضادة (دفاعية) فينظر الى هذا القسم من النساء نظرة ريبة واحتقار بسبب مروقهن على ثقافته وتقاليده، وبالتالي لا تشكل النساء من هذا الصنف قدوة لأترابهن، بل مثلا لوصمة العار التي يفررن منها.

ـ ويكرس كذلك شعورا بالدونية لدى القسم الآخر من النساء، وهو القسم الأكبر، حيث تنظر المرأة الى نفسها – عن اقتناع- نظرة احتقار، وترى نفسها أقل من الرجل في كل شيء، لدرجة الخجل من كونها امرأة .

لا أحد يمكنه أن ينكر الوضع المتردي للمرأة، وأنها تعرضت ولا تزال الى الكثير من الظلم والمهانة والتمييز والتحيز، ولكن الذي نود قوله هو أن هذا الأمر يعتبر نتيجة طبيعية لظلم ومهانة الإنسان بشكل عام. وظهوره على المرأة بشكل أوضح، يرجع الى كونها الطرف الأضعف في المعادلة، فالقضية ليست قضية مرأة بقدر ما هي قضية إنسانية معطوبة، ولعل أفضل من نبه إلى هذا الأمر هو الدكتور مصطفى حجازي في كتابه (سيكولوجيا الإنسان المقهور) حين بين أن القهر الذي يتلقاه الضعيف من القوي، يمارسه على من هم أضعف منه، ممن يخضعون لسلطته المباشرة (أسرته وزوجته بشكل خاص)، وهكذا من قمة الهرم وحتى قاعدته، وبالتالي فإن معالجة قضية المرأة بمعزل عن معالجة قضية الإنسان بشكل عام هو في الواقع تزييف لأصل المشكلة، وعامل في استمرارها كما أسلفنا، ومن ثم فإن جوهر المسألة  هو أنه إذا صلح الإنسان صلحت المرأة، وإذا تقهقر الإنسان تقهقر وضع المرأة، وهذا بالطبع ليس لأن المرأة شيئاً مختلفاً عن الرجل، وإنما لأنها إنسان كما الرجل تماما، وأنه إذا كانت المرأة بخير فإن الرجل حتما بخير، وأن العكس صحيح تماما.

وإذا كانت قضية المرأة مفرز ثقافي، فإن حلها لا يكون بالمطالبة بالمساواة لها مع الرجل، المنتهكة حقوقه بالمثل، لأن هذا لن يقدم في الأمر شيئا، وإنما يكون بالذهاب الى الجذور الثقافية التي تنتج هذا الواقع المتردي، والتي تجعل من بعض السلوكيات الذكورية ضد المرأة، واجبا اجتماعيا أو دينيا، وتعريتها والحفر حولها، واقتلاعها من الأعماق، وعندها ستتوقف شجرة المجتمع عن طرح تلك الثمار الخبيثة .

إن الرجل أو لنقل الذكر بمعنى أدق، حين يمتهن المرأة ويسلبها حقوقها، لا يكون في موقف يحسد عليه ، أو في مكانة متفوقة عن مكانتها، وإن بدا في الظاهر كذلك، لأنه في هذه الممارسات ضحية مثله مثل المرأة، فهذه الممارسات تنبئ عن أن روحه مسحوقة، وإنسانيته جافة، وأن عقله مضطرب لا أكثر .

وكذلك المرأة حين تتماهى مع العقلية الذكورية تلك، وتدافع عنها  وتغذي بها أبناءها، فإنها تمارس نفس ما يمارسه الرجل تجاه جنسها، ولعل في هذه الفقرة الأخيرة خير دليل على أن معالجة قضية المرأة لا يكون بالمطالبة بحقوقها، أو إظهار أنها ممتهنة ومستلبة ،لأنها لا تكون ضحية هذه الأفكار دائما ، وإنما تقوم بدور الجلاد في كثير من الأحيان، بل ربما يكون لها  الباع الأطول في امتهان المرأة عبر توريثها ثقافة الامتهان هذه لأبنائها .

هل يعني هذا أخيراً أن نتوقف عن طرح قضية المرأة ؟ لا إطلاقا ، ولكنه دعوة إلى تغيير زاوية الرؤية لتلك القضية ، وتوجيه الأنظار الى الأعماق بدل السطح ، والنظر إليها من زاوية أن الرجل ليس خصما ، وإنما هو ضحية ، يحتاج إلى إنقاذ مثل المرأة تماما ، فلعل في تغيير زاوية الرؤية أن يأتي بنتائج مغايرة .

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى