تقارير

عاد الشتاء يا دمشق ولم تعدي

تقرير يارا شامية

دمشق

لم يبق سوى زخة لتعلن قدوم فصل الشتاء، الذي تحول في سوريا من نعمة إلى نقمة على أولئك الذين يقطنون في بيوت لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة. بيوت نزحوا إليها هرباً من ويلات الحرب، بعضها بأسقف مستعارة، وأخرى بلا نوافذ تقي برد الشتاء، ناهيك عن آلاف الأسر التي تقطن في بيوت “على الهيكل” لا يخجل أصحابها من تقاضي أجرتها.

فشتاء السوريين تحول من فصل الخير والعطاء لـ” نذير شؤم” كما عبر عنه “أبو محمد” المعيل لأسرة مؤلفة من ثمانية أفراد تقطن في بيت “على الهيكل” في صحنايا، فيقول: “عانيت وأسرتي الأمرين في الشتاء الماضي؛ فلم أتمكن من توفير وقود للتدفئة في بيت نوافذه مؤلفة من نايلون وشوادر قماشية، وأبوابه مجرد ستائر أو ألواح خشبية وسقوف تدلف مع كل عاصفة”. يضيف: “استأجرت هذا المنزل بعشرة آلاف، واليوم رفع مالكه الأجرة  لـ15 ألف!”.

في حين قضى محمد الابن الأكبر كامل العام الدراسي الماضي بمعطف مرقع وحذاء قديم لا يحمي أقدامه المتجمدة من البرد.

أما والدته فتقول: “تمنيت أن أرى نور المدفأة متقداً ولو ليوم واحد.. أن أفتح صنبور الماء فأحصل على ماء ساخن.. كنا نعتمد على الغاز لتسخين المياه”.

تلك القصة ليست مشهداً كرتونياً خرجت به بائعة الكبريت ليلة الميلاد لتبحث عن مشتر يقيها برد الشتاء ويسد رمقها بوجبة طعام، إنما هي واقع يعيشه ملايين السوريين المهجرين الذين هربوا من المناطق الساخنة لأخرى أكثر هدوءاً.

أيضاً هناك آلاف الأسر السورية تعيش حياة قاسية في مراكز الإيواء تحت مظلة النظام السوري، فهي عبارة عن مدارس تحولت لسكن جماعي، غالباً لا يضم إلا دورتي مياه وأربعة صنابير باردة فقط، فيما تنعدم وسائل التدفئة من وقود وسجاد ومدافئ وغير ذلك، لكن ضيق الحال دفع البعض للحصول على غرفة صغيرة بتلك المراكز رغم افتقارها لمقومات الحياة.

الأكثر سوءاً حال اللاجئين في المخيمات، المقدر عددهم وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأكثر من أربعة ملايين لاجئ، بينهم مليون طفل موزعين في لبنان والأردن وتركيا وكردستان العراق، في خيام لا تقي برداً ولاريحاً وفي ظروف معيشية تفتقد أبسط أساسيات الحياة الإنسانية الكريمة.

فمع كل شتاء تتحول معظم المخيمات إلى مستنقعات عشوائية موحلة، نتيجة الأمطار وتضاؤل المساحات الإسمنتية فيها، كما تداهم المياه عدداً من الخيام، بينما تتطاير أخرى بسبب الرياح والطقس العاصف.

تقول “أم خالد” من أحد المخيمات: “يمكننا التأقلم مع صعوبات الحياة نوعاً ما في فصل الصيف، أما صعوبات الشتاء فهي فوق إمكاناتنا المحدودة”. وتضيف: “أفضل لو لقيت وأسرتي الموت في سوريا على حياة الشتات والنوم في العراء التي نحياها هنا”.

هذه القضية الإنسانية تخطت قدرات المجتمع الدولي المحدودة على تخفيف معاناة اللاجئين، الذين فاقت مأساتهم ما تعرض له كل اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.

المازوت كنز الشتاء

أصبحت هذه المادة حلماً لكثير من العائلات السورية، بسبب عدم توفرها وغلاء سعرها، نتيجة حظر الدولة لبيع المازوت بغرض التدفئة، وحصر الحصول عليه بالتسجيل على قسائم في البلديات التابعة لكل منطقة.

حيث خصصت 200 ليتر للعائلة الواحدة تعطى على دفعتين بسعر 180 لليتر الواحد.

لكن تلك القسيمة مجرد حبر على ورق، فالسيد هشام يقول: “وقفت لساعات العام الماضي في طوابير طويلة لأسجل على قسيمة تدفئة، لكن لم يأت دوري حتى شهر حزيران أي في فصل الصيف”.

هذا ما أدى لانتشار تجارة المازوت، التي بات لها سوقاً سوداء يباع فيها الليتر بـ 250 وأحياناً ب 300 ليرة، أي ما يكلف الأسرة الواحدة 75 ألف ليرة للحصول على 300 ليتر فقط أي ما يعادل تقريباً راتب الموظف لمدة ثلاثة شهور.

يضيف هشام: “قررت هذا العام أن أخصص مرتبي لتأمين مادة المازوت حتى لو كان ذلك على حساب بعض الحاجات المعيشية الضرورية، فالجوع وضيق الحال أهون من البرد الذي لم يرحم أحداً العام الماضي” حسب تعبيره.

علماً أن وضع الكهرباء يصبح أكثر سوءاً في فصل الشتاء، فلا يمكن الاعتماد عليها كوسيلة تدفئة، ما دفع الكثيرين للاعتماد على الحطب للتدفئة بدلاً من المازوت، رغم أنه يسبب مشاكل صحية فهو يطلق غاز أحادي أكسيد الكربون الذي يؤدي في بعض الحالات للاختناق، لكن يضطر السوريين لاستخدامه للتأقلم مع قساوة الحياة.

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى