مقالات رأي

المجالس المحلية بلديات أم منظمات مجتمع مدني؟

316541_433036686763627_1749804928_n1

مع خروج كثير من المناطق السورية الثائرة عن سيطرة نظام الأسد وانعدام وجود سلطات تمثِّل سكان تلك المناطق، برزت الحاجة إلى تأسيس تجمعات تمثيلية لهم (بعضها بدأ قبل الخروج عن سيطرة النظام) لتنظيم إدارة شؤونهم المحلية الاجتماعية والخدمية والثورية، ولتلافي التجاوزات القانونية البدهية كالسرقة والقتل وغيرها.

وبعد مرور المراحل الأولى من العمل بتشكيل (هيئات شرعية) تسوَّد فيها المشايخ كل شيء، بدأت القوى الثورية المدنية بتأسيس تجمعات في كل منطقة، أخذت بعدها اسم (المجلس المحلي). وأخذت على عاتقها تمثيل صوت السكان المحليين ثورياً وتقديم الخدمات اللازمة لهم. وكانت هذه المجالس هي الباب الأهم الذي بدأ منه السوريون تداول شؤونهم العامة وإدارتها والنقاش فيها.

وللإيجاز، فإن كل الشهور التي مرت على وجود تلك المجالس كانت تشهد دوماً نقاشات ونزاعات حول صلاحيات المجلس المحلي وسلطاته ومهامه مع الهيئات الشرعية والفصائل العسكرية وبعض القوى الثورية المدنية الأخرى. إلا أن تشكيل مجالس المحافظات التابعة للحكومة المؤقتة المشكلة من قبل الائتلاف الوطني السوري كان أهم ما وضع المجالس المحلية في إشكالية حول ماهيَّتها ودورها.

سعى الائتلاف الوطني السوري عن طريق مجالس المحافظات إلى احتواء الكوادر الثورية المدنية العاملة في المجالس المحلية، كما كان يسعى دوماً إلى محاولة احتواء الثورة كلها باعتباره يرى نفسه “ممثلاً عن الشعب السوري”، رغم أنه مشكل بأغلبيته الساحقة من قوى معارضة سياسية تمارس نشاطها في الخارج ولا تمتلك تفويضاً من القوى الثورية الميدانية في الداخل السوري.

وأصبح كثير من كوادر المجالس المحلية أعضاء في مجالس المحافظات ومكاتبها التنفيذية. وهو ما رآه كثير من أولئك الكوادر خطوة إلى الأمام في اعتراف المعارضة الخارجية بضرورة اشتراكهم مع القوى الثورية المحلية في نظم قيادة الثورة السياسية والإدارية ضمن جسم واحد يستطيع جعل هموم الناس وطموحاتهم المحرِّكَ الأساسي لكل عملهم السياسي والإداري، وحتى في دقائق الأمور.

ومنذ ذلك الحين، بدأ مسؤولو الحكومة المؤقتة في الخارج بالتعامل مع أعضاء مجالس المحافظات ومكاتبها التنفيذية كموظفين لديهم يتبعون في قراراتهم للحكومة المؤقتة، دون ضرورة الرجوع إلى مجالسهم المحلية للتشاور في القرارات والإجراءات. وأصبح الحديث عن المجالس المحلية على أنها مجالس خدمية فقط، أي أقرب إلى “البلدية” في طبيعتها المعروفة لدى إدارة نظام الأسد. وحتى أن الحكومة المؤقتة أصرَّت على إلغاء (إدارة المجالس المحلية) التي كانت موجودة في غوطة دمشق الشرقية، باعتبار أن مجلس المحافظة أصبح ينوب عنها.

لا يمكن النظر إلى تلك الخطوة الأخيرة بعين البراءة، فرغم وجود مكتب الخدمات الموحد في نفس منطقة وجود إدارة المجالس المحلية، إلا أن الحكومة المؤقتة لم تهتم بضمِّه إلى إداراتها، وإنما التفتت إلى استتباع من يشكلون القوى الثورية السياسية في المجالس المحلية وتهميش الأخيرة بالذات، بعد أن ارتقت بنفسها – بنسب متفاوتة – في مأسستها وإدارتها وانتخابها. وأصبحت أقرب إلى ما تتم تسميته بـ (منظمات مجتمع مدني).

وإن كانت فكرة منظمات المجتمع المدني أنها مؤسسات تسعى لتكون أقنية بين المجتمع الدولة، تنقل صوت الناس وتحمي حقوقهم وتساندهم في واجباتهم، وتشارك في فتح فضاء الشأن العام أمام مشاركة جميع الناس وتفاعلهم فيه، إلا أن سلوك الحكومة المؤقتة ينحو باتجاه إغلاق تلك الأقنية، ويوحي بالسير على خطى سلوك النظام الذي أغلق فضاء الشأن العام أمام جمهور السوريين ومنعهم من مشاركته في اتخاذ القرارات وإدارة شؤون هي في الأساس شؤونهم هم.

وإن كانت أفضل إدارات الدول هي الإدارة التي تتدخل بأقل ما يمكن في حياة المواطنين، وتوكل كثيراً من شؤون الإدارة المحلية إلى منظمات المجتمع المدني، فإن سلوك الحكومة المؤقتة يوحي مرة أخرى بأنها تنوي التدخل بأكبر قدر في حياة المواطنين وشؤونهم من موقع متعالٍ عليهم.

في الصين دولة قوية، ومجتمع مسحوق. ولا فائدة يجنيها الناس من دولة قوية ليسوا هم هدفها، بل السلطة. ولا يهنأ أحد بدولة قوية لا تسمع صوتهم أو تشاركهم في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وإن لم تتم المحافظة على المجالس المحلية كمنظمات مجتمع مدني، لا كـ “بلديات”، فإن أهم الأقنية المرتقبة بين “الدولة الجديدة” والمجتمعات المحلية سيغيب عن المشهد السوري الداخلي، دون وجود بديل واضح مع استمرار الحكومة المؤقتة في سياستها الحالية – المدعومة من دول تبحث عن مصالحها أولاً – التي تسير على خطى الاستبداد بحلة جديدة.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى