لقاءات

اللاجئات السوريات في لبنان أوضاع اقتصادية تمهد للاستغلال والتحرش والاستعباد وصولاً للاتجار بالبشر

مع الناشطة النسوية نوال مدللي

12143121_10207841947340347_3659958332099851540_n

هو غياب الدولة ما يزال يرخي بثقله على كاهل لبنان، يشترك في تحمل عبئه كل من اللاجئين السوريين، والمواطنين اللبنانين. ومن فضيحة إلى فضيحة تستمر الحياة، ولكنها ليست نفس الحياة بالنسبة للجميع.

فبينما يتقاسم اللاجئون المخيمات في مناطق متفرقة من لبنان، والأحياء الفقيرة للطبقات الأكثر تهميشاً من اللبنانين، هناك طبقات أخرى، تحتكر وتتقاسم مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

نعم، لبنان يبدو دولة مناسبة تماماً لكل أشكال المافيات التي تنتشر وتلقى الحماية وتستطيع بكل بساطة التهرب حتى من القضاء الذي يفترض أنه الأقدر على نيل حقوق الفقراء والمهمشين.

الوجه الآخر للبنان يبدو قبيحاً قبح فضيحة الزبالة التي لم تحسم بعد، وقبح الفضائح التي تظهر بشكل أكثر تسارعاً ودراماتيكية من السابق. وكأن كل شيء يوحي بانهيار مبطن، وموت لم يتم الإعلان عنه.

وفي وسط كل هذا تبدو الوجوه الأكثر إشراقاً للبنانين يحاولون ما بوسعهم الدفاع عن قيم الأصالة والإنسانية، وهم من يمكن التعويل عليه اليوم وفي المستقبل، ليس من أجلنا نحن السوريين فقط، ولكن من أجلهم هم أولاً، ومن أجل بلدهم ومستقبل أفضل لأطفالهم.

نوال مدللي هي من تلك الوجوه الرائعة، التي تستطيع بكل بساطة أن تدخل معها شغاف القلب وكل همومه، تشترك معها بكل الإنسانية التي تجمعنا، وقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

كانت تداعيات ما جرى مؤخراً، من تحرير 75 امرأة سورية من نير الاستعباد الجنسي، والخلاص من سجن التعذيب والعنف والاغتصاب والتسليع. ومشاركة العديد من المنظمات والمؤسسات في لبنان في الضجة الإعلامية التي حصلت وضرورة حماية هؤلاء الفتيات، وتأمين ما يلزم لهن من رعاية طبية ونفسية، وحماية أصبحت ضرورية.. كل هذا كان مدخلاً للحديث مع نوال حول طبيعة عملها، ودورها الحالي وما يتم لحماية هؤلاء الفتيات:

– نوال مدللي، عرفتك في لبنان لا تكلّين ولا تملّين من تقديم كل ما يلزم للسوريين اللاجئين، نجدك في المخيمات وفي البيوت وفي كل مكان أو مناسبة تتطلب تقديم المساعدة والبحث عن حلول من الممكن أن تساعد بتخفيف المعاناة. هل لنا ببعض التعريف عن طبيعة ما تقومين به، متى بدأ، وأين، وكيف؟

منذ بداية اللجوء السوري تداعينا للمساعدة مع مجموعة من الشباب لتأمين مواد غذائية وطبابة ولتأمين ألبسة وأغطية لفصل الشتاء.

عملنا لمدة سنة كمتطوعين ومتطوعات وناشطين/ات على الأرض، ثم أُدخل اسم جمعية سوا للتنمية التي أترأسها؛ والجمعية تاسست سنة 2006 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث عملنا في مراكز النزوح لمساعدة النازحين من الجنوب.

بدأت في العمل التطوعي في سن مبكرة منذ كنت في الثانوية، والعمل الكثير الذي نقوم به في الجمعية تطوعي ومبادرات فردية وبتمويل ذاتي.

وعندما بدأ اللاجئون السوريون بالتوافد إلى لبنان، بدأنا بالعمل مع الأطفال المتسولين في شارع الحمرا منذ العام 2012 ثم انتقلنا إلى مخيمات اللجوء في البقاع من عرسال إلى برالياس والدلهمية وجب جنين. ثم بدأنا العمل على برنامج حماية الأطفال والتوعية ضدّ التزويج المبكر للفتيات والعنف المبني على أساس الجندر للنساء.

نهتم بالفئات المهمشة ونساعد في الكثير من الأمور وخاصة في موضوع حقوق الإنسان، لا نفرق بين البشر، نريد أن نثبت للجميع أن العمل الإنساني ليس بحاجة للتمويل؛ حيث نستثمر العلاقات الشخصية مع أفراد في مواقع صنع القرار للمساعدة في تأمين احتياجات اللاجئين لاسيما من الناحية القانونية (الإقامات وتسوية الوضع) ومن الناحية الصحية والتعليمية.

نضحي في سبيل كرامة الإنسان -أي إنسان- وحقه في الحياة والمطالبة بحقوقه. وعلى البلدان التي تستضيف اللاجئين أن تراعي شرعة حقوق الإنسان وتطبق الاتفاقية الخاصة باللاجئين.

– ولكن هل تعتقدين أن هناك خصوصية للمرأة اللاجئة؟ وهل هذه الخصوصية تتطلب نوعاً مختلفاً من العمل لأجلها؟

بالنسبة للاجئات فإن وضعهن صعب جداً، وهن مضطهدات من قبل القانون الذي لا يحميهن ومن قبل الزوج و(الشاويش) الذي يتحكم بحياتهن، وهو السلطة المطلقة في حياة اللاجئات.

ومنذ تهجّرن وهنّ عرضة للكثير من أشكال التحرش الجنسي والاستغلال؛ فالمرأة هي ربّة العائلة وعليها تأمين المواد اللازمة للاستمرار في الحياة داخل الخيمة أو البيت، والاهتمام بالأطفال. كما أن البعض منهن يكسبن عيشهن كعاملات في الأراضي الزراعية.

يوجد الكثير من اللاجئات اللواتي يحملن شهادة جامعية أو بكالوريا، ولكن غير مسموح لهن بالعمل في لبنان حيث أن وزير العمل حدّد مجال العمل بالنسبة للسوريين: عمال زراعيون مياومون، عمال بناء. وما يدفعهم/ن للقيام بهذه الأعمال الشاقة هي الحاجة الماسة للحصول على المال اللازم للاستمرار في الحياة، حيث أن بطاقة مفوضية اللاجئين تغطي جزءاً من المواد الغذائية فقط للمسجلات فيها.

إن هشاشة أوضاع النساء اللاجئات وإعالة الكثيرات منهن لأسرهن بمفردهن، والتشديد على أوراق الإقامة من قبل الأمن العام اللبناني، فضلاً عن الفقر والشحّ في المساعدات.. ساهم في الشعور بعدم الأمان لدى النساء وعدم القدرة على التبليغ في حال حدوث أي إساءة بحقهن بسبب أوضاعهن غير القانونية. حيث سُجّلت نسبة عالية جداً للاجئات اللواتي لا يملكن إقامة قانونية في لبنان.

– وجود اللاجئات واللاجئين السوريين في لبنان امتد لسنوات الآن، ولا أحد يعرف إلى متى سيستمر هذا الوضع، في غياب أي آفاق قريبة للعودة إلى سوريا. هل تعتقدين أن هناك تغيرات طرأت على أوضاعهن، يمكن التعويل عليها من ناحية الوضع القانوني أو المعيشي؟ خاصة أننا نسمع دائماً عن اهتمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة بأوضاع اللاجئين، وتوفير ما يلزم لهم؟

خمس سنوات مرت من حياة اللاجئات والوضع على حاله، بل ازداد سوءاً في ظلّ غياب خطط استجابة وطنية أو دولية لحماية اللاجئات.

النساء اللاجئات يعانين من صعوبة تأمين تكاليف المعيشة المرتفعة الكلفة في لبنان، وشراء الطعام ودفع إيجار البيت أو الخيمة، مما جعلهن عرضة للاستغلال على نحو متزايد، وتذكر بعضهن كيف أن أصحاب البيوت أو الأراضي الزراعية يحاولون التصرف معهن بطريقة غير لائقة ويحاولون استغلالهن نظراً لهشاشة وضعهن .

بعض الفتيات واجهن أشكالاً من العنف الظاهر من خلال إرغامهن على الزواج من قبل أهلهن بحكم الضائقة الاقتصادية، وفي أحيان كثيرة هذا الزواج لا يستمر وتعود الفتاة إلى بيت أهلها مكسورة الخاطر.

إن واقع اللجوء يفرض أشكالاً من التفنن في العنف ضدّ النساء؛ ففي أحد المخيمات يطلب الشاويش وعمره 45 عاماً من عائلة أن يتزوج ابنتهن البالغة من العمر 15 سنة وإلا يطرد العائلة من المخيم، وهو متزوج من اثنتين قبلها! ترفض العائلة بيع ابنتها وتغادر المخيم إلى مخيم آخر وما من أحد يتدخل لحماية الفتاة والعائلة.

أما بالنسبة للنساء والفتيات اللواتي يعملن في الأراضي الزراعية فيتم استغلالهن من كل النواحي؛ حيث أن بدل يوم عمل مضن مجحف بحقهن ويترواح بين 5 آلاف و7 آلاف ليرة لبنانية(3-5$) بينما اليد العاملة اللبنانية أغلى بكثير، فيستغل صاحب الأرض هؤلاء. ناهيك عن التحرش الذي يتعرضن له من قبل الشاويش أو غيره . ومع تقليص حجم المساعدات الإنسانية للاجئين اضطرت السيدات للنزول إلى العمل في الأراضي الزراعية، حيث يخضعن لقانون الشاويش ولا يحق لهن الاعتراض على ما يلحق بهن من غبن.

الاتجار بالنساء، وخلفيات شبكة جونية

– قضية اليوم، ليس في لبنان فحسب، ولكن لدى كل المهتمين بالشأن السوري، هي قضية شبكة الاتجار بالنساء، التي تكشفت عن فظائع صادمة لا يتحملها عقل، حول ما يتم من تحويل النساء إلى سلعة للبيع والشراء. نعلم أنك كنت قريبة جداً من ما أثير حول القضية، وهي قضية رأي عام ليس بالنسبة للسوريين فحسب، ولكن بالنسبة للبنانين، لأنها كشفت عن العالم السفلي للحياة في لبنان، عالم مليء بالاستغلال والاستعباد، واستباحة النساء، من خلال تعريضهن للعنف الممنهج لتطويعهن وإخضاعهن وإجبارهن على ممارسة الدعارة، بعد أن يتم استدراجهن ومن ثم بيعهن لتجار الدعارة.. كيف تصفين لنا ما حصل؟

بالنسبة لشبكة الاتجار بالبشر في منطقة جونية، والتي تكشفت الأسبوع الماضي. بالفعل كانت صدمة بالنسبة للبنانيين والسوريين. فتيات يختطفن وتحتجز حريتهن على مدى سنوات ويتعرضن للاغتصاب والتعذيب والاستعباد الجنسي والإجهاض والدعارة القسرية وذلك تحت أعين الجميع. والأفظع أن الشبكة تضم فتيات قاصرات .

تداعينا من اليوم الأول للتواصل مع جميع الجمعيات النسوية والمعنية بحقوق الإنسان للبدء بتحرك ومساعدة الضحايا اللواتي أصبحن في عهدة بيوت الحماية الخاصة لبعض الجمعيات، وهن بحاجة لدعم نفسي ومعنوي ومادي وتأهيل للخروج من الصدمة التي عشنها خلال سنوات.

فقد اجتمعت منظمات لبنانية وسورية وفلسطينية للعمل معاً من أجل المطالبة بحقوق الضحايا وحمايتهن. وتم الاتفاق على أهمية تقديم الدعم النفسي والقانوني للنساء الضحايا، وتشكيل لجان للمتابعة مع نقابة المحامين والقضاة لعدم تمييع القضية وطيّها. وكذلك لجنة للتواصل مع مفوضية اللاجئين لتأمين الدعم المادي والحماية الدولية لهن. ورفع دعاوى قانونية للضحايا وجعلها قضايا رأي عام، والمطالبة بمحاسبة الطبيب الذي تستر على الموضوع ولم يخبر الجهات الأمنية بما يحصل داخل الفندق منذ سنوات. كما تمَّ التوافق على الاعتصام الذي جرى يوم الجمعة في 8 نيسان أمام قصر العدل لإيصال الصوت لكشف شبكات الاتجار بالبشر النشيطة في لبنان.

– كلنا نعلم الوضع في لبنان، من حيث تجاذبات النفوذ والسلطة بين القوى السياسية المختلفة وغياب مرجعية واحدة يمكن التعويل عليها، كيف يتم التعامل لتجاوز هذه العقبات وتأمين ما يلزم؟

في ظل المناخ الموجود في لبنان من تفلّت من العقاب وتفكك مجتمعي، ما زالت القضية تتفاعل. ولا شك أن جهة كبيرة تحمي هذا الإجرام وإلا لما استمر كل هذه السنوات في منطقة مكشوفة للجميع. فالقضية فتحت باب العديد من الأسئلة عن كيفية عمل الشبكة وغيرها من التي لم تكتشف بعد، وعن الأسباب الكامنة وراء ما يشاع من تغطية محتملة لمثل هذه الشبكات.

لا حل آنياً للضحايا، التركيز الآن على توفير الأمان والحماية لهن من قبل الجمعيات المعنية والمطالبة بأن تقوم الدولة بمهامها لكشف العصابة والتعويض للضحايا من كل النواحي كون الجريمة حصلت على الأراضي اللبنانية .

– استغلال اقتصادي، واستعباد جنسي. بيع وشراء للبشر. تبدو الصورة قاتمة جداً فيما يخص اللاجئات السوريات في لبنان، ولكن ما الذي يمكن القيام به في ظل هذه الأوضاع؟ وما المهام الملقاة على عاتق الجميع للتخفيف من هذه المأساة؟

هناك مطالبة دائمة بالنظر في الوضع الإنساني للاجئات وخاصة بما يخص الإقامات؛ حيث لا قدرة عندهن لتأمين الإقامة في ظل الشروط التي وضعتها الدولة، واللغة العنصرية التي يتكلمها البعض ضدّ اللاجئات واللاجئين. فالانقسام السياسي في لبنان يطال أيضاً اللاجئين، بين من يتفهم وجودهم ويقدم ما يستطيع من مساعدة، وبين فريق آخر ضدّ وجود اللاجئين في لبنان ويدّعي الخوف من توطينهم.

هذا الانقسام السياسي أيضاً لم يساعد في اتخاذ موقف واحد تجاه قضية الاتجار بالبشر، فمن المفاجئ أن نقيب الأطباء لامَ وزير الصحة على إقفال عيادة الطبيب (المشارك في الإجرام)، واعتبر الشبكة شبكة دعارة!

ولكن ما يمكننا التعويل عليه الآن، أن هذا الملف لن يغلق (كما وعد الحقوقيون/ات)، وستكون هناك متابعة له مع القضاء.

كما يتم العمل حالياً على تفعيل المطالبة بإقرار قانون تجريم العنف الجنسي، وتعديل وتفعيل قانون العنف الأسري والاتجار بالبشر وقانون العقوبات. وعلى الدولة وضع استراتيجية لحماية النساء خلال النزاعات، وعلى الأراضي اللبنانية، وتحسين الوضع الإنساني والقانوني للاجئات ولا سيما السوريات.

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى