ثقافة

يوميات ياسمين (3)

لوحة للفنان ديلاور عمر بعنوان “قصة لاجئة”

سلام الغوطاني

كفراشةٍ تنتقل من زهرة الى أخرى، وبقلب تتدفق فيه أنغام عذبة، كان التفكير بخيارات سنوات عمري القادمة يقفز بي من حلم الى آخر بألوان زاهية، تحاول أن تلغي قلق الواقع الذي أعيش. شعرت أن حياتي بدأت بالتفتح بمجرد أن أنهيت امتحان الصف التاسع يوم الاربعاء، بفرح ويقين كبيرين بالنجاح.

مَرَّ على وجودي في منزل جدي والد أمي بمدينة دوما حوالي السنة والنصف، تخللتها زيارات متقطعة لمزرعة والدي القابعة على أطراف الريف الجنوبي المنسي لمدينة دمشق، دوما الشامخة الآن كانت تشبه فتاة تغادر سن المراهقة للنضج بين ريفها ومدنيتها، بين مزارعها وأبنيتها الحديثة. دوما التي منحتني شعوراً بالعلو على صديقاتي وأقربائي القاطنين ببلدتنا الريفية الصغيرة المنسية حيث عدد الابقار والدواجن يفوق عدد السكان، أفرحني أن يقولوا “صرتي يا ياسمين دومانية”، أبهجني انصاتهم لي وانا أحدثهم عنها، عن مدارسها ومطاعمها وبيوتها ورائحة الازدحام التي تشعرنا بصخب الحياة.

احساسي بالعلو منحني الثقة بالقادم من حياتي، رسمني بالمستقبل كسيدة مجتمع راقٍ، أدركت طريقي، وتلمسته مع نهاية امتحانات الشهادة الاعدادية، في ذلك اليوم وأنا عائدة الى بيت جدي، كان نبض قلبي يستولد فيّ الطيران. استقبلتني جدتي بوجه عابس عصيّ على التفسير يعلن وقوعي وارتطامي على أرض قاسية كاسرة روحي قبل عظامي “عجلي ضبي أواعيكي وغراضك، ما معنا وقت، اتصل أبوكي وقلنا نجي بسرعة، الجمعة زفافك…”.

وقفت أمامها بلا حراك، وبعينين مفتوحتين بذهول غادرتهما رموشي، بدأ وعيي يغيب، هي النهاية، هي موت أحلامي، وانكسار أجنحتي واسوداد ألواني. أحسست بتوقف قلبي وامتلاء جسدي بالبرودة. صرخة جدتي أعادت شهيق وزفير دون هواء، دون وجود. وبات اختفائي عنواني…

 لملمت ملابسي وأشيائي وعجزت عن لملمة ياسمين، ومع كل قطعة ملابس أضعها بأكياسي كان ضياعي يتسرب من بين أصابعي كدخان يرسم شبحاً يشبهني، يخيفني لأنه أنا. ودعت كتبي، دفاتري وأقلامي كمن يودع نفسه، وجلست قليلاً في المكان الذي اعتدت الجلوس فيه وشريط حياتي يمرّ أمام عيني، لحظات الفرح والحزن والقوة والتعب، اصراري على النجاح، ولأول مرة أعرف الشعور بالوحدة، وحيدة…. وحيدة… رددتها، أدركت ما معنى أني لا أملك نفسي، وأنني كشاة تقاد للذبح.

غادرت دوما مع جدي وجدتي، والغصّة ترافقنا وتصنع صمتنا الذي دام طوال الطريق، الى منزل والدي. كان الجميع مشغولاً بالاستعداد ليوم الغد الذي هو زفافي، كنت أتابع تحركاتهم بنظرات تعبة، تائهة ومبهمة وكأن كل هذا لا يعنيني.

اقتربت مني أمي وبصوت عال كأنها توقظني: “شو بكي ياسمين بكرا عرسك، حركي حالك عنا شغل كثير…. يا حرام ابن عمتك، جهز لعرسو وعزم الناس، واشترى جهْاز ودبايح وقبل العرس بيوم اختلف مع عروستو وصار بلا عروس، فكرنا انو تكوني انتي بدالها ويظل العرس ماشي”.

وبفم قد غزاه الجفاف: “أنا…. مين ابن عمتي”؟

“ابن عمتك سعاد، محمد”.

“ما بعرفو”.

“طيب وابن حلال وكسيب”.

“ما بعرفو”.

“محمد جمعة ابن عمتك كان يشتغل بلبنان واجا من اسبوع ليتجوز ويا حرام شو صار معو”!!

“امي اسمعيني ما بعرفو…”

“خلص بكرا بتتعرفي عليه وبتشوفي، كثير طيب”.

انتابتني قوة غريبة احتلت كياني وصرت أصرخ: “لا لا لا ما بدي اتجوز”.

“لك شو عبتقولي ولي”؟!

“عبقلك ما بدي اتجوزو”.

قوتي تحولت الى جنون، هيستريا محمومة حركت كل جسدي ومع صرخة الـ”لا” كانت حركاتي غير الإرادية ترمي أغراض المطبخ، كسرت الكثير من الأواني، كنت أرميها لعل صوت تحطم الزجاج يبدّد وحدتي وعجزي وقلة حيلتي.

بدأت امي بضربي وهي تصرخ: “غصبن عنك يا فاجرة بدك تتجوزي”!! جثتي التي بين يديها كانت تتوسلها: “ببوس ايدك يا امي سمعيني، ما بدي، منشان الله، بتحبي الله، ما بدي…”، وتضربني وتضربني. لا أعرف كيف مضى الوقت وجاء الصباح، وكيف وصلت إلى غرفتي، ومن وضعني على سريري. كنت غير قادرة على الحركة، كالمشلولة، دخلت أمي ومعها كيس كبير، صوتها كان بعيداً وهي تقول: “قومي تحممي وهاي الكيس فيه فستان العرس والكندرة والاواعي الدواخل”. بعد مرور وقت قصير امتلأ البيت بالناس، أحضروا “كويفيرا” لتساعد بمراسيم زفتي. بعد ان انتهت من شعري، لونت وجهي…

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى