ثقافة

يوميات ياسمين (1)

لوحة للفنان ديلاور عمر بعنوان “قصة لاجئة”

لوحة للفنان ديلاور عمر بعنوان “قصة لاجئة”

سلام الغوطاني

“ياسمين” امرأة سوريّة من “الغوطة الشرقيّة”، أُكرِهت على النزوح بعد مهاجمة “قوى الأمن” بلدتها واعتقال رجالها. تروي قصتها مما انغرس بذاكرتها ووجدانها، ومن بعض القصاصات التي كتبتها على عجل بالدمع والحزن. فتسترجع بإحساسها الأحداث بالكتابة علَّها تُحدِث فرقاً.

لم يكن معها سوى بطانية تمنح بعض الدفء لأطفالها، اختارتها بعد نظرة وداع سريعة بإحدى عينيها لبيت كان ينبض بالحياة ويعجّ بالأشياء. وبعينها الأخرى ودعت زوجها “محمد” وأخيها “رائد” المُنقادَيْن إلى باصات الاعتقال، مع كل رجال الحيّ. بينما هي والنساء الأخريات أُجبِرن على الصعود الى باصات ستقلِّهنَّ الى مراكز الإيواء في مدينة “عدرا العمالية”. حملت البطانية فقط مع أطفالها وحزنها وخوفها وغاصت في المجهول.

كان عنصر الأمن الواقف على باب الباص يتطاير من فمه رذاذاً تفوح منه رائحة الكحول، وينظر الى النساء بشهوانية مفضوحة، وقد اعترض “ياسمين” قائلاً: “آبتطلعي عالباص ومعك البطانية”. “الله يخليك هاي منشان دفي فيها ولادي، والله الصغيري مريضة”. “آبتفهمي وليه شو عمقلك، خليها بنتك تصير فطيسة، هاي منشان الحرية”.

نادت “ياسمين” أطفالها المرتعشين بين المقاعد بتمرد: “انزلوا حبوباتي، انزلوا ما عاد بدنا نروح عمحل، خلينا قاعدين هون بالشارع”. “ليك البهيمة ليك، رح تطلعي غصبن عنك عالباص والبطانية وأواعيك رح أحرقلك هني”. “ما عاد في شي اخسرو، وماني طالعة”.

اقترب شخص آخر من رجال الأمن، محدثا زميله: “اتركها بحالها يا زلمي، لا تحط راسك براسها، اطلعي عيني اطلعي، بس هذا لسانك بدو قص”.

وجدوا مراكز الإيواء عبارة عن مدارس، وضعوا في كل غرفة منها قرابة اربعين امرأة مع أطفالهم. كان صراخ الصغار وبكاء النساء، الذي لا ينقطع، الهواءَ الوحيد الذي تنفسه الجميع. وكان النوم جلوساً للازدحام وفوق هذا يرافق نوم “ياسمين” ذكرى عيْنيْ “جمعة” التي ما برحت تغادر كيانها وهو يوصيها: “ياسمين… ياسمين، ديري بالك عالولاد، إصحك الصغيري تجوع…”.

وما لبثت أنْ وجدت نفسها في إحدى المشافي إثر انهيار عصبيّ. بقيت فيه قرابة الشهر بين الغيبوبة والصحو، وأبناؤها بمركز الإيواء في أول انفصال قسريٍ عن بعضهم البعض.

حدثتني طويلاً عن تلك اللحظات التي مرَّ عليها قرابة ثلاث سنوات، وتركت لي الكثير من أوراقها؛  أوراق مبعثرة، هي ممر صراخها للعالم، أودعتهم عندي واعتمدت عليَّ من أجل ترتيبهم. فيهم شهادتها على الأحداث، رسائلها لـ”محمد”، ويومياتها الخانقة بلون البشر الرمادي…

قالت لي : “ذلك الخروج من الغوطة بداية البركان، بداية المتاهة التي ما زلنا فيها”. أبناؤها “خالد” و”غيداء” تركا المدرسة؛ “خالد” يعمل للمساعدة بالمصاريف، و”غيداء” تزوجت بعمر الخمسة عشر عاماً. “راغد” والصغيرة “يارا” بخير، أمَّا “محمد” فتتضارب الأخبار حول مصيره؛ أحيانا يقولون بأنه مات، وأُخرى يقولون إنَّه حيُّ في “سجن صيدنايا”. وتسترسل: “خيي “رائد” تأكد نبأ استشهاده تحت التعذيب، ما تحملت أميّ الخبر فأصابتها جلطة دماغية، وهيي إسّا نص مشلولة، جامعتنا غرفة صغيري، وأني عبشتغل بالبيوت…وصدى صوت “محمد” يلاحقني (إياكي الصغيري تجوع)”.

على إحدى الأوراق قرأت: “ليتك تعرف يا محمد أنَّ الصغيري (زعلانة منك)؛ بعد أن شدَّ شعرها من اعتقلك وأنت تحملها. تقول: بابا هوي يلي تركني وفَلْ، ليش قِبلْ يعملوا فيي هيك، كان عمرها سنتان والآن خمسة. وجميع محاولاتي تغيير الصورة عندها تصطدم بجدار صمتها… صمتها عالم كبير، لا يشبه أبداً صمت العالم، ولا يشبه صمت عالمي الصغير الذي تقوقع حتى أصبح “غاز السفير” القابع أمام عيني الآن، هو أجمل ما لديّ؛ فلا أستطيع إزاحة نظري عنه كي لا يرتطم بتأوهات أمي. ملابسنا وأغطيتنا المهترأة متناثرة في أرجاء الغرفة، التي تحوي ثلاثة صحون وكأسين وإبريق؛ معادن يحاول الصدأ ابتلاعها…و ابتلاعي”. يتبع في العدد القادم…

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى