اقتصاد

هل من الممكن اقتصادياً توحد الفصائل المقاتلة؟

مجلة-طلعنا-عالحرية-Rising-For-Freedom-Magazine

توحد الفصائل المقاتلة في سوريا هو أمنية كل ثائر على طغيان الأسد، ولكن الأمنية لم تتحقق بعد، فما هي الأسباب؟

 يتابع الكثير من السوريين بقلق بالغ ما آلت إليه الأوضاع في أحياء حلب الشرقية وتهجير سكانها القسري برعاية دولية، وفي الوقت الذي لا تزال فيه  أخبار الفصائل في عموم سوريا تتوارد حول الاتفاق ثم الاختلاف ثم الاقتتال وهكذا دواليك.. تسير الأوضاع في دائرة مفرغة أشبه بالمتاهة، دونما أثر لأي توحّد يرصّ صفوف المقاتلين نحو هدف واحد يدّعي الجميع أنهم يقاتلون لأجله.

سنة مالية جديدة

أنهت المؤسسات والحكومات والشركات والمنظمات سنة مالية كاملة، وحان موعد تدقيق الحسابات، فماذا عن الفصائل المقاتلة؟

تنهمك المؤسسات مع نهاية كل عام بإعداد الحسابات الختامية للسنة الفائتة، ورغم اختلاف المستويات، إلا أن الحكومات لا تختلف عن أصغر الشركات في المسائل المالية، حيث الجميع لديه حسابات سنوية ختامية تبين لهم أين ذهبت الأموال، ومنها تبدأ المساءلة بحثاً عن الأخطاء سعياً لتصحيحها وتطوير آلية العمل، فهل من الممكن أن ينطبق الأمر على الفصائل المقاتلة؟

تمارس المؤسسات العسكرية في كل الدول نشاطات اقتصادية، حيث الصناديق الاستثمارية والصناعات العسكرية التي من شأنها أن تمول الإنفاق العسكري.

لا تقتصر النشاطات الاقتصادية العسكرية على تمويل إنفاقها، وقد تساهم بشكل كبير في دعم اقتصاد الدولة فيما لو عملت وفق خطط ناجحة، كما قد تساهم في انهيار اقتصاد الدولة وتردي الأوضاع المعيشية فيما لو عملت وفق سياسات سيئة لصالح الإنفاق العسكري.

حالة الثورة السورية لم تسمح بوجود مؤسسة عسكرية متكاملة، ولمعرفة الأسباب بعيداً عن التوجهات علينا مراجعة مراحل نشوء الفصائل وتطورها.

بداية تأسيس الفصائل المسلحة

كحالة استثنائية بحسب الأوضاع في المناطق، ولدت فصائل عسكرية صغيرة، منها لتأمين المنشقين عن نظام الأسد، ومنها محاولة لردع قوات النظام عن مهاجمة المظاهرات، لتتطور لاحقاً نتيجة التحاق الكثيرين من المدنيين أو العسكريين لأسباب مختلفة، وكنتيجة حتمية لولادة هذه التشكيلات المحصورة ضمن مناطق محددة وحاجتها للتخفي عن أعين النظام، وجب على كل تشكيل تأمين احتياجاته بشكل مستقل عن غيره، وهنا تكمن أكبر أزمة مستمرة إلى وقتنا هذا.

الصندوق المالي للفصيل

اعتمد كل تشكيل على خطته الخاصة لتمويل نفسه، فمنهم من كان يتلقى الأموال من الداعمين، سواء كان الداعم من داخل أو خارج سوريا، وبكافة الأحوال يأتي عبر أشخاص لا مؤسسات أو دول، وهذه الفئة هي الأكثر انتشاراً، ومنهم من عمل وفق خططه الخاصة لتأمين احتياجاته من خلال نشاطات سرية، كالتجارة أو التهريب أو الاستيلاء على الممتلكات العامة وبيعها، وصولاً إلى السرقة والخطف وطلب الفدية من أصحاب الأموال لإجبارهم على المساهمة في دعمهم.

استمرت هذه الحالة لفترة تزيد عن سنتين قبل أن يبدأ الحديث عن إيجاد جسم جامع يعمل بشكل مؤسساتي لصالح الجميع، وهذه الفترة كانت كفيلة بإيجاد العديد من التشكيلات في المنطقة الواحدة، تعمل كل منها وكأنها شركة خاصة منافسة لمثيلاتها، فكل واحدة من هذه التشكيلات لها شعارها ونظامها وسياساتها الخاصة.

الجيش السوري الحر

التشكيل المعروف بالجيش السوري الحر كان واحداً من التشكيلات الساعية لإيجاد نظام متكامل عبر تأسيس كتائب في مناطق متعددة.

 لم يحظ تشكيل الجيش السوري الحر بدعم رسمي على محمل الجد كمؤسسة عسكرية، وكحال بقية التشكيلات المحلية اضطر لتأمين مصادر دعم أغلبها كانت فردية، ونتيجة غياب الخبرات الاقتصادية وعدم توفر الدعم الكافي، فشلت هذه المؤسسة بتأمين متطلبات التشكيلات الموجودة في كافة المناطق السورية، مما عزز التشرذم والفرقة بين الفصائل، ورغم تطور المجلس العسكري فيه إلا أنه لم ينجح في توحيد الفصائل وإيجاد جسم جامع مؤسساتي وفق سياسة اقتصادية عسكرية محكمة.

الخلافات والاقتتال وعلاقتها بالاقتصاد

من أكثر الأحداث المؤلمة التي تشهدها الثورة السورية هو اختلاف واقتتال الفصائل المسلحة وما ينتج عنه من تأثيرات اجتماعية واقتصادية، ومن خلال مراجعة الأحداث يتبين أن غالبية الخلافات والاقتتال كانت لأسباب اقتصادية وإن حملت أوجهاً مختلفة، كحال اختلاف الفصائل واقتتالها في الغوطة الشرقية نتيجة خلافات حول الأنفاق والدعم الوارد والمساعدات.

نجد أيضاً محاربة بعض التشكيلات لفصيل معين بسبب ارتكابه عمليات خطف وسرقة، كما حصل في العديد من المرات ضمن حلب، ولا يغيب على أحد شهرة البعض بألقاب وصفية نتيجة أسلوب اتبعوه في تمويل نشاطاتهم مثل شهرة قائد عسكري بالمازوت!

حلم توحد الفصائل

إن أبرز المشكلات الموجودة في بنية الفصائل العسكرية منذ نشأتها إلى هذا اليوم هي تأسيسها بشكل غير قابل للاندماج اقتصادياً، فكل المحاولات التي سبق أن شهدتها الثورة السورية لتوحيد الصفوف لم ينتج عنها سوى تشكيل غرف عمليات موحدة تقتصر على التعاون وليس الوحدة والاندماج.

حالات الاندماج التي تمت سابقاً لم تكن سوى تضمين بعض الفصائل الصغيرة ضمن تشكيل أكبر وفق اتفاق يتكفل فيه التشكيل الكبير عملية تأمين كافة الاحتياجات، كما حصل عدد من الانقسامات نتيجة توفر فرصة لتأمين عملية تمويلهم بشكل مستقل عن البقية.

على السياسيين إدراك أن توحد الفصائل لتشكيل جيش سيبقى مجرد حلم إلى أن يتم التنسيق والتفاوض لمعالجة المشاكل الاقتصادية للفصائل.

مستقل، مهووس في تكنولوجيا المعلومات والأمن الرقمي. مهتم في الشؤون الاقتصادية وريادة الأعمال، محرر القسم الاقتصادي في طلعنا عالحرية
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى