الافتتاحيات

هدنة جديدة بحسابات جديدة

مجلة-طلعنا-عالحرية-Rising-For-Freedom-Magazine

افتتاحية بقلم مازن درويش

يحقُّ للسوريين الذين أُثخنوا قتلاً وتهجيراً واعتقالاً طوال السنوات الماضية أن يفرحوا لخبر وقف إطلاق النار، خصوصاً أنه يأتي ضمن سياق حلٍّ سياسيٍّ شامل -كما يشاع-. فربما ضحيّة أخرى لن تسقط اليوم، ولربما طفل آخر لن تُبتر إحدى أطرافه غداً! ولأنّ كلّ قطرة دم يمكن توفيرها قبل بلوغ الحلّ النهائيّ هي مكسبٌ لنا جميعاً.

وعلى الرغم من ذلك كلّه،علينا ألاّ نسقط في وهم التفاؤل؛ إذ لم يترك نظام البراميل المتفجرة وحلفاؤه مكاناً للنوايا الطيبة، في ضوء إصرارهم المُعلن على إلحاق الهزيمة التامّة بكلّ من عارضهم، ولأيّ سببٍ كان، وبغضّ النظر عن الطريقة. وليس أقلّ من تطهير محيط العاصمة دمشق بالحدّ الأدنى. بالإضافة إلى التعقيدات الإقليميّة والدوليّة التي تجعل من هذا التفاؤل أقرب ما يكون إلى قراءة رغبويّة بعيدة عن حقائق السياسة ودهاليزها، حيث لم يُخفِ أطرافٌ كُثر عدم حماسهم لهكذا اتفاق. بعضهم لكون الاتفاق إنجاز روسي- تركي صرف، الأمر الذي أظهرهم كأطرافٍ ثانويّة على ساحة الصراع، ولعلّ أبرز هؤلاء إدارة الرئيس “أوباما”، التي تعرّضت لإذلالٍ سياسي لم يسبقها إليه أحد في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الدبلوماسي، الأمر الذي لم يستطع الرئيس “أوباما” إخفاؤه، فأتّى قرار طرد الدبلوماسيين الروس كتأكيدٍ على ذلك الإحساس بالمهانة.

يعلم الساسة الروس أنّ الولايات المتحدة -رغمّ كلّ شيء- تملك أدوات كافية لإجهاض الاتفاق، ولذلك ربما تسعى الدبلوماسيّة الروسيّة إلى تثبيته عبر مجلس الأمن، لتحصينه وإعطائه طابعاً دوليّاً مُلزِماً.

إيران أيضاً والتي كانت طرفاً رئيسيّاً في إعلان موسكو الثلاثي قبل أيام، وجدت نفسها اليوم خارج المطبخ السياسي الروسي- التركي، حيث لم ينجح اتصال وزير الخارجيّة “لافروف” بنظيره الايراني “ظريف” بطمأنة إيران وفق ما أعلنه “محمد صدقيان” مدير “المركز العربي للدراسات الإيرانية” الذي قال: “إنّ هناك قلقاً لدى الجانب الإيراني، وتريد إيران الوقوف على حقيقة التفاهمات مع فصائل المعارضة السورية، خاصّة المُدرَجِة على قوائم الإرهاب”. هذا القلق تتشاركه معها أيضاً جبهة فتح الشام “النصرة سابقاً”، والتي بدأت توقن أنّها ستكون كبش المحرقة، بالإضافة إلى كيانات سياسية معارضة بدأت تتلمس انتهاء صلاحيتها.

حقيقة التفاهمات الروسيّة التركيّة التي أبرمت بعد تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين في شهر آب المنصرم ربما سهّلت استعادة قوات النظام وحلفائه لأحياء “حلب الشرقية” مقابل إجهاض “فدرالية روج آفا كوردستان” في شمال سوريا، لكن المؤكّد أيضاً أنّه لم تتكشف جميع جوانب هذه التفاهمات بعد، على الرغم من وجود الكثير من الدلالات على أنّ هذه التفاهمات ستغيّر الكثير من مجريات الأمور في سوريا، خصوصاً إذا صدقت المعلومات التي تفيد أنّ فريق الرئيس الأمريكي المُنتخب “ترمب” ليس بعيداً عنها.

مازن درويش
رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى