حقوق الانسان والمجتمع المدني

منظمات حقوق الإنسان قبل الثورة السوريّة

الجزء الثاني من بحث أعدّه المحامي أنور البني مدير المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، سيتم نشره تباعاً في طلعنا عالحرية على أجزاء.

بدأ الحراك الفعليُّ لمنظمات حقوق الإنسان في سورية في أواخر الثمانينيات حيث، تأسست لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطيّة وحقوق الإنسان من قبل مجموعةٍ من النشطاء كانوا بمعظمهم من أصولٍ ماركسيّة، وقابلت السلطة هذا التحرّك بعنفٍ شديدٍ، فشنّت حملة اعتقالات بحقِّ النشطاء شملت نحو سبعين ناشطاً، وأحالت سبعة عشر منهم إلى محكمة أمن الدولة العليا الاستثنائية وأصدرت عليهم أحكاماً تتراوح بين ثلاث سنوات وعشر سنوات.

فكان هذا درساً واضحاً لإرهاب السوريين بعدم التفكير مطلقاً بحقوق الإنسان. وقد استوعب السوريون هذا الدرس القاسي، وتوقف أيُّ نشاطٍ حقيقيٍّ.. ولعلَّ النشاط الوحيد الذي استمرَّ هو محاولة بعض المحامين استغلال فرصة إحالة المعتقلين إلى محكمة أمن الدولة في أواسط التسعينيات، من بينهم نشطاء لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان، ونشطاء أحزاب سياسية أخرى مثل حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري “جناح رياض الترك” وجماعة الإخوان المسلمين، فشكلوا مجموعةً للدفاع عن المعتقلين في أواسط التسعينيات، كان الشباحث معدّ هذا الملف واحداً منهم، دون أن نستطيع الإعلان عن وجودنا كمجموعةٍ منظمة.

وفي أواخر التسعينيات تمَّ تأسيسُ منظمتين خارج سوريا تعنيان بالوضع السوريّ، وهما اللجنة السورية لحقوق الإنسان في لندن عام 1997 التي كان مجلس إدارتها من خلفية إسلامية، واللجنة العربية لحقوق الإنسان عام 1998 التي كان مقرّها فرنسا أسستها السيدة اللبنانية “فيوليت داغر” وكان الناطق باسمها السيد “هيثم مناع” السوري، وكان بمجلس إدارتها التونسي السيد “المنصف المرزوقي” والسوري “ناصر غزالي” ومعظم أعضائها كانوا من خلفياتٍ قوميّة ويساريّة. وقد اهتمت اللجنة بالوضع السوريّ بشكلٍ خاصٍّ بسبب أن الناطق باسمها كان سورياً، مع اهتمامها بأوضاع حقوق الإنسان في العالم العربيّ كلّه.

واقتصر وجود منظمات حقوق الإنسان في سوريا على المذكورين فقط حتى نهاية عام 2000؛ حيث اشتعل نشاطٌ حقيقيٌّ في المجتمع السوري بعد وفاة حافظ الأسد، وتاق الشعب، ولاسيّما النشطاء، للتحرّر من السجن الذي يعيشون فيه، فانطلقوا لتأسيس مجموعاتٍ فاعلة؛ فتمَّ تأسيس عدة منتديات تعقد جلساتِ نقاشٍ علنيٍّ حول الأوضاع السورية، كان أشهرها منتدى جمال الأتاسي ومنتدى عضو مجلس الشعب رياض سيف بالإضافة لأكثر من عشرة أخرى في مختلف المحافظات السورية. وتنادى النشطاء الحقوقيون لإنشاء جمعيةٍ تُعنى بأوضاع حقوق الإنسان، فتمَّ تأسيس الجمعية السوريّة لحقوق الإنسان عام 2001، وتمَّ تأسيس لجان إحياء المجتمع المدنيّ، وظهر حراكٌ في النقابات المهنيّة.

ومع هذا الحراك ابتدأ قمع السلطة السوريّة يتزايد، فشنّت حملة اعتقالات شملت عشرةً من رموز الحراك على كلِّ المستويات وأحيلوا لمحكمة أمن الدولة، حيث صدرت بحقهم أحكامٌ بالسجن لمدد تتراوح بين ثلاث إلى عشر سنوات، وتمّ إغلاق المنتديات، وتهديد النشطاء. ولاحقاً تمَّ اعتقال الهيئة الإدارية لمنتدى جمال الأتاسي الذين رفضوا إغلاقه، وتشكّلت هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير، واللجنة الوطنيّة للدفاع عن معتقلي الرأي عام 2002 على خلفيّة اعتقالات ربيع دمشق 2001، كما تأسّس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية الذي يرأسه الباحث في عام 2004. وبعد أحداث مدينة القامشلي وانتفاضة الأكراد في سوريا عام 2004 تمّ تأسيس اللجنة الكردية لحقوق الإنسان في سوريا (الراصد)، ومنظمة حقوق الإنسان في سورية- ماف، ومنظمة الدفاع عن معتقلي الرأي في سورية- روانكة.

كما ظهرت مجموعةٌ من المنظمات السورية التي تُعنى بحقوق الإنسان في أعوام 2004-2006، كالمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والمنظمة السورية لحقوق الإنسان “سواسية”، والرابطة السورية لحقوق الإنسان، والمركز السوري للدفاع عن الصحافيين وحرية التعبير. وعادت لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان إلى النشاط بعد خروج أعضائها من السجن.

وكان لقمع السلطات السورية الشديد تأثيرٌ مباشرٌ بإبقاء النشاط في حدوده الدنيا، واقتصر فقط على إصدار البيانات وفضح انتهاكات حقوق الإنسان. وحيث إن السلطات السورية رفضت وبشكلٍ مطلقٍ منح أيّ ترخيصٍ لجمعيات حقوق الإنسان وقامت بملاحقةِ وتهديدِ الناشطين فيها، فقد خلت هذه المنظمات من الهيكلية الإدارية والتنظيم والشفافية، ولم يصل لها أيُّ تمويلٍ لمنع السلطات ذلك وخطورة الاتهامات التي يمكن أن توجه لها بسبب ذلك، وخصوصاً بعد قيام السلطة السورية بإغلاق مركز تدريب حقوق الإنسان الذي افتتحه الاتحاد الأوروبي في دمشق عام 2006 واعتقال مديره.

لذلك يمكن أن نقول إن وجود هذه المنظمات اقتصر على الوجود الإعلامي وإجراء دراساتٍ وأبحاثٍ حول المجتمع السوري. وكان النشطاء يتلقون تدريباً خارج سوريا وبشكلٍ شبه سريٍّ من خلال ورشات عمل وورشات تدريبية تجريها المنظمات الدولية للنشطاء في العالم العربي.

وانتقل النشاط إلى خارج سوريا حيث تأسس المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان في أمريكا.

وربما الملاحظة الأهم في نشاط منظمات حقوق الإنسان التي يمكن الحديث عنها، هي تعدّد المنظمات، ليس بتعدّد أهدافها ونشاطها، وإنما بتعدّد الاتجاهات السياسيّة لمؤسسيها. فقد كان موضوع حقوق الإنسان في سوريا يلقى اهتماماً عالمياً أكبر من النشاط السياسيّ، وكان محميّاً نوعاً ما، ولو إعلامياً بمتابعة النشاط. لذلك بادرت الأحزاب السياسية لممارسة نشاطها بإنشاء منظمات حقوق إنسان أو الانخراط بها، وكان المعتقلون السياسيون السابقون في طليعة المشاركين في تأسيس منظمات حقوق الإنسان، فكانت هناك المنظمات التي تتماهى مع فكرة القوميّة العربيّة، والمنظمات الكرديّة التي تركز على أوضاع الأكراد فقط، والمنظمات التي يكون الدين الإسلاميّ مرجعاً لعملها، والمنظمات التي كان كلُّ أعضائها من اليساريين الماركسيين، فكان هناك تمايزٌ كبيرٌ في بيانات منظمات حقوق الإنسان بخصوص الانتهاكات التي كانت تحدث في سوريا حسب منشأ الانتهاك وشخصية المنتهك ضدّه ودينه وقوميته.. وقد ظهر هذا التمايز خصوصاً في أحداث المنطقة والعالم بضربة 11 أيلول 2001 وحرب أفغانستان ودخول القوات الأمريكيّة للعراق والانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000-2005 والحراك في لبنان بعد مقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق “رفيق الحريري” وحرب تموز وغيرها.. مثل الثورة الوردية في جورجيا والثورة البرتقالية في أوكرانيا..

في عام 2006 شنّت السلطة حملة اعتقالاتٍ كبيرة شملت رموزاً من نشطاء المجتمع المدنيّ وحقوق الإنسان، كان كاتب هذه الورقة من بينهم، وصدرت بحقهم أحكامٌ تراوحت بين ثلاث إلى خمس سنوات. على أثر هذه الحملة تراجع نشاط منظمات حقوق الإنسان إلى أدنى مستوى لها أمام هذا القمع.

أنور البني
رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية‏، محرر قسم حقوق الإنسان والمجتمع المدني في مجلة طلعنا عالحرية
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى