حقوق الانسان والمجتمع المدني

معاناة السوريين في محاكم الميدان العسكرية

المحامي ميشيل شماس

بعد أن سيطر حزب البعث على مقاليد الحكم في سوريا في انقلاب أذار 1963، تفتقت عقلية نظام البعث على إنشاء المحاكم الاستثنائية  بدءاً بالمحاكم العسكرية  وبمحكمة أمن الدولة العليا التي ألغيت في نيسان عام2011 مروراً بمحاكم الميدان العسكرية وصولاً إلى محكمة الإرهاب. وفي هذه العجالة سأستعرض محاكم الميدان العسكرية التي لا تختلف عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى، باعتبارها المثال الصارخ على كم أفواه السوريات والسوريين والاعتداء على حرياتهم وحقوقهم .

   بتاريخ 17/8/ 1968 قررت القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث إنشاء محاكم الميدان العسكرية بالمرسوم رقم (109). حيث نصت المادة الأولى منها على إحداث محكمة أو أكثر  تسمى المحكمة الميدانية العسكرية، ونصت المادة الثانية منها على أن تتولى هذه المحكمة النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية التي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها  . والغريب أن هذه المادة  جعلت سريان اختصاص هذه المحكمة بمفعول رجعي اعتباراً من 5/6/1967 وهو أمر يخالف مبدأ عدم رجعية القوانين المعروف.

ومنحت المادة الثالثة منها وزير الدفاع  حق تعيين قضاة المحكمة حصراً من الضباط العسكريين. بينما منحت المادة الرابعة منها النيابة العامة فيها جميع اختصاصات النائب العام وقاضي التحقيق العسكري، أي أنها تقوم بتحريك الدعوى ضد المتهم ومن ثم تقوم بالتحقيق مع المتهم  وتصدر قراراها باتهام الشخص الذي تحاكمه وتحيله للمحكمة،  وقرارها  محصن لا يقبل أي طريق من طعن  الطعن نهائيا.

  والخطير أن قانون المحكمة في المادة الخامسة منه أعفى أعضاء المحكمة من التقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة، أي أن مكان انعقاد الجلسة وطريقة إدارة الجلسات واستجواب المتهمين وإصدار الأحكام إنما تخضع جميعها لمشيئة رئيس المحكمة. ولاتسمح للمحامين بالمرافعة أمامها كما لاتسمح لأحد بمراجعتها.. وتعقد جلساتها بشكل سرّي.

أما المادة السادسة فحصنت الأحكام التي تصدرها المحكمة من الطعن فيها. وجاءت المادة الثامنة من قانون المحكمة  لتحصر أمر التصديق على أحكام الاعدام برئيس الجمهورية، أما بقية الأحكام فتخضع  للتصديق من قبل وزير الدفاع. ولكليهما الحق بتخفيض الحكم أو الغائه وحفظ الدعوى. وبعد التصديق على قرار المحكمة فإن القرار ينفذ فوراً سواء كان بالحبس أو الاعدام.

أما بالنسبة  لكيفية  إحالة  المتهمين إليها، فلا يوجد معيار واضح، أو آليه محددة للأشخاص الذين تتم إحالتهم للمحاكمة أمامها، بل إن الأمر متروك برمته  لوزير الدفاع  وحده الذي يحق له تقرير محاكمة من يشاء أمام محاكم الميدان سواء كان عسكرياً أم مدنيا وسواء كان سوريا أم أجنبياً.. وغالباً ما تتم إحالة المتهمين إليها وفقاً لرأي الأجهزة الأمنية. علماً أن الغاية من إنشاء هذه المحكمة بحسب مرسوم إنشائها هي محاكمة العسكريين فقط، دون المدنيين، ولكن النظام عمد الى محاكمة المدنيين  أمامها  لاسيما منذ اندلاع  الثورة السورية ضده  في أذار عام 2011، فلا قانون يمنعه  ولا توجد قوة  تقف بوجهه، ولا مجلس  شعب يطالب بإلغائها كونها مخالفة للدستور السوري نفسه ولا محكمة دستورية تتجرأ على النظر بدستورية قانون هذه المحكمة أو غيرها من القوانين الكثيرة المخالفة للدستور السوري نفسه، يضاف إليها أن هذه المحكمة لا تحترم إطلاقاً أياً من المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان ولاسيما تلك التي وقعت عليها سوريا كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي في الحقوق المدنية والسياسة، ولا تتقيد أيضاً حتى بالحد الأدنى لمعايير المحاكمات الدولية العادلة.

 ومنذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة  للنظام في سورية أذار عام 2011  تمت إحالة عشرات الآلاف إلى هذه المحكمة من مدنيين وعسكريين، من قبل الأجهزة الأمنية مباشرة، ونظراً لاكتظاظ سجن عدرا المدني وسجن صيدنايا العسكري بالمعتقلين أمنياً والموقوفين قضائياً، فإنه يتم إيداع الأشخاص المحالين لتلك المحكمة في داخل الأفرع الأمنية نفسها، حيث تتم محاكمتهم في تلك الفروع  ويقضون عقوبتهم فيها. ولأول مرة منذ تاريخ إنشاء هذه المحكمة تتم محاكمة نساء وفتيات أمامها، وهناك عدد من الفتيات والنساء مودعين في سجن عدرا لصالح المحكمة الميدانية.

وغايتي من الحديث عن محكمة “الميدان العسكرية “ هي تسليط  الضوء  على مدى خطورة استمرار هذا النوع من المحاكم في العمل،  ولتشجيع السوريين على الانخراط في حملة لا تنتهي إلا بإلغاء هذه المحكمة نهائياً.  وتعديل قوانين إنشاء المحاكم الأخرى  كمحكمة الارهاب  والمحاكم العسكرية ، وكذلك تعديل القوانين التي تنتهك حرية الانسان أو تقيدها.

أخيراً، وفي ظل تزايد الدعوات المحلية والدولية الداعية إلى إعادة صياغة دستور جديد لسوريا بما ينسجم والمواثيق العهود الدولية التي وقعت عليها سوريا، نأمل أن يتضمن الدستور السوري الجديد  نصاً صريحاً وواضحاً  يحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية أو سن قوانين تضييق على حريات الناس  وتمنعهم من اللجوء الى القضاء.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى