مقالات رأي

مدنٌ في “عين” الأمم المتحدة

جمال الشوفي

لا يخفى على أحد من متتبعي السياسات الدولية أن الأمم المتحدة أسيرة سياسات الدول الرئيسة فيها، وأن مواثيقها الدولية والإنسانية ليست للتطبيق في مجتمعات ودول تعتبر هامشية فيها؛ وبمعنى آخر تعتبر حقول تجارب ومناطق نزاع نفوذ لها، ويرعى كل طرف فيها أدوات هيمنته في هذه الدول ويغذيه، بغية تحقيق مصالحها وأمنها القومي واستراتيجيتها. فمنذ وضعت الحرب العالمية الثانية وزرها، تشكلت هيئة الأمم المتحدة على خلفية عصبة الأمم المتحدة. عصبة الأمم تلك، التي رعت ونفذت سياسة الوصاية الدولية على دول المنطقة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. فهل انتهى الدور المناط بمنظمة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام العالمي واستقراره، وانتقلت لمرحلة جديدة لإعادة رسم خارطة العالم الذي نعيشه: شرق المتوسط تحت وصاية متعددة الأطراف تحت مرأى من “عينها”؟!

الأمم المتحدة التي وضعت في مواثيقها وأعرافها الدولية: صيانة حق الشعوب في تقرير مصيرها وحمايتها كأولوية في استقرار الأمن والسلام العالمي، لدرجة التدخل تحت الفصل السابع لمجلس الأمن عند تهديد المدنيين في دولة ما أو في أي رقعة من العالم! الأمن والسلام العالمي الذي دأبت كل شرائع الأرض ومنظماتها الحقوقية لترسيخها ثقافة وسلوكاً عالمياً، بغية تجاوز عقبات وويلات الحروب، خاصة بعد الحربين العالميتين في مطلع القرن العشرين، هي ذاتها اليوم تقف مكتوفة الأيدي “طوعاً”، لا بل وتساهم، في اقتلاع سكان المدن السورية من جذورها مدينة تلو الأخرى، وتقف شاهدة فعلية على مؤشرات التغيير الديموغرافي فيها، فهل كانت داريا والمتبقي من سكانها خطراً على السلام العالمي وأمنه واستقراره؟ وهل كانت قبلها حمص كذلك؟ وهل باقي المدن السورية المصطفة على قائمة التهجير كذلك أيضاً؟ وماذا عن حلب اليوم؟

منذ العام 2012 تتالت البعثات الدولية الأممية إلى سوريا؛ بدءاً من بعثة الفريق الدابي، إلى كوفي عنان فالأخضر الإبراهيمي، إلى ستيفان دي مستورا اليوم. وأيضاً البعثات الدولية للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية، والمحظورة دولياً. وكلها دأبت “حسبما تدعي علناً” البحث والتقصي عن حلّ سلمي سياسي في سوريا! الأمم المتحدة ذاتها التي صرحت مراراً وتكراراً عن عجزها عن تنفيذ البنود الأولى لاتفاق جنيف 2218 والذي ضمنه قرار مجلس الأمن 2245/2015 الخاصة بإيصال المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية، إلى المدن المحاصرة منذ أعوام، كبوادر حسن نية للتفاوض المزمع بغية إيجاد الحل السياسي القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات. الأمم المتحدة ذاتها التي تراقب عن كثب نزوح وتهجير الملايين السوريين عبر قوارب الموت البحرية إلى كل شتات العالم وأرضها بحثاً عن ملجأ آمن من الموت المحتم في سوريا.

بعد جولات التفاوض الأممية الثانية في عام 2014، رعت الأمم المتحدة وتحت “مرمى نظرها” إخلاء الأحياء المحاصرة من حمص، وكانت حينها تدّعي أن شروط التفاوض هي فكّ الحصار لا تهجير السكان، وبعدها اتفاق الزبداني- الفوعة! وهي أيضاً من حاولت تمرير -وربما لازالت تعمل بالسّر على- إخلاء الأحياء الحلبية المحاصرة في الآونة الأخيرة. ولا تعفيها تصريحاتها المتتالية عبر مفوضها السامي السيد دي مستورا بأنها لم ترعَ ولم تطلع على شروط الاتفاق لإخلاء المتبقي من سكان داريا، أو عدم استطاعتها إيصال المساعدات لحلب، أو حماية المدنيين في مدن أخرى كالمعضمية والهامة وقدسيا والمتبقي من حي الوعر الحمصي، بعد اتفاقات على خروج معارضتها المسلحة!

ولربما ثمة ما يدور في الخفاء عن خارطة الطريق المرسومة لهذه المدن، ومثلها بعض أحياء دمشق أيضاً، التي ربما في طريقها للتهجير القسري وتحت “عين” الأمم المتحدة. تلك العين التي لا تريد أن ترى من المشهد السوري حاجات البشر الحقيقية في الاستقرار والسلام وضمان عدم انتهاك أعراضهم ومورثوهم التاريخي المادي والاجتماعي والروحي المكثف، في بقعة جغرافية تسمى مدينة، هي تاريخ وروح شعب ومسكن وحارات وسهرات ولمّات، هي عنوان لمجتمع عام اسمه سوريا وكل سوريا!

هذا ليس نقداً بالعمق لهيئة الأمم المتحدةً، ولا لمعاييرها المزدوجة، ولا لسياسات الغرف المقفلة، لكنه تساؤل علني يؤرق يومنا: هل استنفدت هيئة الأمم المتحدة وسائلها وأهدافها الأولى، وانتقلت لمرحلة جديدة ولربما تسمية جديدة ستفصح عن نفسها قريباً؟

فكل من عصبة الأمم وهيئة الأمم تشكلت عقب حرب عالمية كبرى، فهل الحرب السورية حرب عالمية تتستر قواها العظمى خلف الستارة لتفتح هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها عيناً وتغمض أخرى عن واقع ودمار المدن السورية المدينة تلو الأخرى؟ وهل سننتقل قريباً إلى نموذج الوصاية المشتركة على أرض وواقع وحطام المدن السورية، ونصحو على مسمى جديد، للاتحاد الدولي المتناقض هويةً والمتفق مصلحةً على الدمار السوري وتغيير ديموغرافيته ووأد الربيع العربي فيها؟

ستبقى المدن السورية المنكوبة مخرزاً في عين كل الهيئات والمنظمات الدولية، فإن المدن وإن هجرناها تبقى هي التي تسكننا، فلم تكن المرة الأولى التي تدمر بها المدن السورية في التاريخ، ومع هذا عصيت عن الفناء. هي مدن على قارعة الأمم اليوم، وشعب ما تبقى له على الصبر سوى حلم واهٍ في السماء، أو قبر بسعة مترين من الأرض فقط!

من حلمه الوردي يبني مدينة في عالم أرجواني مغاير، ومن موته المعلن يبني مدينة للأشباح، وبينهما يحاول البقية منا الحفاظ على تشرده حتى لا نختار إحداها عنوة..

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى