مقالات رأي

متطرف جديد يولد من رحم السياسة الأمريكية

كريم نصر

في عام 2007 وفي الذكرى الأولى لتسلّم الكاتب الإنكليزي هارولد بنتر جائزة نوبل للآداب قال وبكل وضوح في خطاب له، ناقداً السياسة الأمريكية الخارجية في مراجعة تاريخية شاملة لجرائمها في العالم: “الولايات المتحدة أيدت وأنشأت كل ديكتاتورية عسكرية يمينية في العالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأنا أشير هنا إلى إندونيسيا واليونان وأرغواي وهايتي وبارغواي والبرازيل وتركيا والفلبين وغواتيمالا والسلفادور وتشيلي. إن الرعب الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في تشيلي لن يمحى أو ينسى. مئات ألوف الوفيات وقعت في هذه البلدان إلا أنكم لم تعرفوا بوجودها. إن جرائمها منظمة ووحشية ومستمرة غير أن قلة من الناس تتحدث عنها”.

ذلك الكاتب الإنكليزي الذي ولد في لندن لوالدين يهوديين من الطبقة العاملة، شرح بوضوح دعم السياسة الأمريكية للديكتاتوريات في دول العالم الثالث والدول النامية؛ حيث كانت تلك خاضعة لحكومات وصلت إلى الحكم عن طريق انقلابات عسكرية وتمسكت بكرسي السلطة بيد من حديد.

أسوأ ما في التاريخ أنه ما يلبث أن يعيد نفسه بفواصل زمنية مختلفة، ليظن بعض المتابعين أن روسيا -سليلة الاتحاد السوفيتي- هي القوة الوحيدة العاملة على الأراضي السورية، و يغيب عن كثير من المحللين والسوريين الدور الذي لعبته الإدارة الأمريكية في إشعال الحرب الدائرة تحت وطأة نيران الروس. لا تغيب عن الذاكرة التصريحات الطنانة للرئيس الأمريكي باراك أوباما في تاريخ 20 أيلول/سبتمبر عام 2012 حول السلاح الكيماوي الذي يملكه نظام الأسد ويصف استخدامه بـ”الخط الأحمر” لنشهد بعد ذلك أكبر مجزرة في القرن الواحد والعشرين، والتي راح ضحيتها 1500 مدني سوري في ليلة واحد، ونلحظ فيما بعد ردود أفعال ملونة للإدارة الأمريكية، لم تستخدم إلا لحفظ أمن دول الجوار، والضغط الضئيل على نظام الأسد، وبعد فترة نجد القاتل بريئاً تماماً من دم الضحية.

لم يقف الدعم الأمريكي للأسد بالتغاضي عن أفعاله وحسب، بل ذهب لأبعد من ذلك لتنقل قناة  NBC التلفزيونية، عن مصدر في إدارة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بأن الأخيرة عرضت على الرئيس باراك أوباما خطة مفصّلة لعملية سرية للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد في العام 2012 ولكن الرئيس الأمريكي لم يقر الخطة. في حين صرح “دوغ لوكس” مؤلف الخطة، وهو ضابط سابق في الاستخبارات الأمريكية: “ألمح البيت الأبيض وكذلك الاستخبارات منذ البداية إلى أن هدف مجموعتنا الميدانية، حرمان الأسد من السلطة. وكان لدينا 50 خياراً لتحقيق ذلك. وتم سرد تفاصيل تنفيذ هذه العملية في خطتي. ولكن القيادة السياسية لم تمنحنا أي فرصة للقيام بذلك”.

كما أضاف “لوكس” في مقابلته مع المحطة الأمريكية NBC News أن خطته نالت موافقة الكونغرس ورؤسائه في الاستخبارات، إلا أن باراك أوباما “رفض السماع أو حتى مناقشة الخطة”.

استقال “لوكس” من الوكالة بعد وصوله لاستنتاج بأن لا جدية لدى الإدارة الأمريكية لإزاحة بشار الأسد.

ليستنتج محللون بأن الحكومة الأمريكية بسياستها السلبية بالتعاطي مع ما يحدث في سوريا هي من فتحت الباب على مصراعيه لجرائم النظام السوري والتدخل الروسي، وولادة العناصر المتطرفة وتغلغل تنظيم الدولة “داعش” بالنسيج الاجتماعي في بعض مناطق سوريا. كما يجزم المحللون العسكريون بأن استهداف القوات المعادية بسلاح الطيران الحربي لا يكفي لحسم المعركة معه، ولكن يساعد بالنصر. وهذا يوضح بأن الحرب التي فتحتها قوات التحالف الدولي والدول التي هي خارج ذلك التحالف بسلاحها الجوي لا تهدف به إلى حسم المعركة مع التنظيم المتطرف، ليدعم ذلك ما صرح به وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون: “إن ضربة جوية واحدة بين كل 20 ضربة روسية في سوريا تستهدف تنظيم داعش الإرهابي” محذراً من أن بوتين يقتل المدنيين دعماً لبشار الأسد. في حين لم تكن روسيا فقط هي من تستهدف المدنيين السوريين بدلاً من تنظيم الدولة “داعش” حيث ارتقى منذ أشهر 125 مدنياً سورياً في غارات لطائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة على قرية توخار التي تؤوي نازحين قرب منبج شرق حلب، وأفاد ناشطون ميدانيون أن القتلى غالبيتهم نساء وأطفال، بينهم عائلات بكاملها.

وبين شدّ وجذب، ومرور الوقت عبر تصريحات سياسية فضفاضة، لا يزال الموت يطارد السوريين، ولايزال الأسد متمسكاً بالسلطة ومستمراً بقتل المدنيين بمساندة الروس. والحرب على الساحة السورية مستمرة، وأصبح بإمكاننا القول بأن السياسة الأمريكية البليدة تجاه ما يحصل بسوريا هي من سمحت بولادة متطرف جديد يميني أو داعشي أو حتى ديكتاتور.

وفي ظل ذلك يبقى هناك سؤال وحيد يطرح نفسه مع التصارع الديموقراطي على سدة الحكم في البيت الأبيض مع مفارقة رهيبة حيث أن أوباما سيغادر كرسي السلطة الأمريكي قبل بشار الأسد، وهو الذي كان دائماً ما يقول في خطاباته: “أيام الأسد في السلطة باتت معدودة”.

والسؤال يقول ما الذي سنجنيه من سياسة كلينتون الديمقراطية المحنكة أو من عدوانية ترامب الجمهوري العنيف في صراعنا السوري الدائر في أحياء مدننا؟ وما هو الشيء الذي استفدنا فيه من أوباما لنحتفي ونستبشر بخليفته؛ الرئيس الأمريكي القادم؟!

Comments

comments

إلى الأعلى