ثقافة

ما العمل ..؟ (6)

جلال مراد

الفاعلية إزاء المحتوى:

 لعل أن القارئ ينتظر سمات الفكر المخلص، هل هو إسلامي، هل هو قومي، هل هو شيوعي، إنساني، ماسوني، عائلي..

الحقيقة ليس أي واحد من هذه التوجهات، وبنفس الوقت هو كل هذه التوجهات!!

الفكر المحرك هو إطار فارغ يُملأ بأي فكر موجود، على أن يتم تحويله لبرامج عمل وفاعلية.

إن صحة الجسد لا تعني صحة الجهاز الهضمي فقط، ولا الجهاز التنفسي فقط، أو الجهاز الدوري، إن صحة الجسد تعني صحة كل تلك الأجهزة، بل هي الانتعاش والحيوية في الأنسجة جميعها والخلايا كلها.

ليس محتوى الفكر هو المهم، لكن ما هو مهم الفاعلية في هذا الفكر بغض النظر عن محتواه.

إن تفعيل الكتل والأحزاب والعشائر والطوائف والعائلات والهيئات وبثّ الحياة فيها هو الفكر المناسب (ذلك الفكر الفارغ إلا من الفاعلية).

فعلياً هذه الكيانات جميعها تحتوي على مكون عنصري، هذا المكون هو الذي يمكن أن يمارس الإقصاء والاستبداد على المكونات الأخرى، وقد يصل الأمر به إلى إشعال حروب بين هذه المكونات، غير أنا لو تأملنا الأمر جيداً لاستطعنا الوصول إلى نتيجة مفادها أن كل مكون جزئي من هذه الهويات إن كان في حالة من الازدهار والنشاط والقوة يضعف المكون العنصري لديه إلى أدنى الحدود، وفي حالة الضعف والوهن والتردي تزداد قوة المكون العنصري الخاص به. إذاً نستطيع وصف العلاقة بين الفاعلية والعنصرية في كل مكون أنهما على علاقة تناسب عكسية قوة الأول، تعني ضعف الثاني، والعكس صحيح.

إن كل الجهود الرامية لليّ الواقع، وقطع قدميه لتناسب السرير محكومة بالفشل، أي جهد باتجاه قولبة الواقع بقوالب ذهنية أيديولوجية جهد ضائع. إن رفض الواقع وإخراجه من الرأس بحجة أنه فاسد يكافئ رفض الواقع لك وإخراجك خارج الحياة.

هذا لا يعني بتاتاً الاستسلام للواقع، وقبوله بشكل مطلق، ولكنه يعني تقبل الواقع وفرز الحقول التي لا يمكن للإرادة الذاتية العمل بها عن الحقول التي يمكن للإرادة والعمل الإنسانيين العمل بها والتأثير باتجاه استنهاض مكامن الحياة والنمو والازدهار والرفاه.

تناقضات زائفة:

في حالات وهن الهويات الجزئية تبرز العنصرية المتوارية في كل هوية، وما يحصل أن الاختلافات بين تلك الهويات تأخذ وضع التناقض التناحري، لأن الوهن والتقهقر يفرض على المنتمين لهوية جزئية ملاحظة ما هو سلبي فقط، والتعامل معه على أنه تهديد مباشر. هذه التناقضات فعلياً ليس لها أساس من الصحة، ولكنها مجرد اختلافات في الهوية والتكوين التاريخي الثقافي لكل هوية.

عند الوهن تبدو الاختلافات تناقضات حادة، فيُنظر إلى الطقوس الدينية والعرقية والمناطقية بنظرة المشمئز، ويُنظر إلى طريقة الحياة بنظرة الكره والاستغراب، وينظر إلى العبادات والمعاملات وغيرها على أنها بدع غريبة وتهدد المجتمع بالفساد.

الحقيقة كل هذه الاختلافات تكتسي أحاسيس مختلفة تماماً في حال صحة الهوية الجزئية وتعافيها ونمائها؛ إذ يتوارى الجانب العنصري في الهوية ويرى الأشخاص المنتمين لهذه الهوية الاختلاف (العبادات، المعاملات، طريقة الحياة، نمط التفكير) على أنه غنى في الهوية العامة السورية واختلاف محبب، وليس تناقض تناحري، بل اتساع في الحياة وتلون في الوجود.

إذاً، إن تعافي الهويات الجزئية كفيل بالإجهاز على التناقضات الزائفة.

من التجريد للتحديد:

القومية العربية التهمت وطمست الأردن وسوريا وليبيا والسعودية.

الوطنية السورية التهمت وغيبت إدلب، حلب، السويداء، درعا.

محافظة درعا التهمت وغيبت داعل، بصر الحرير، سملين، الغاربة.

ما المقصود بذلك؟

هناك نمط فكروي نشأ (وهو محايث لكل نظام شمولي استبدادي) بتصعيد الفكرة الواقعية والمطلب الواقعي لرمز ذهني متوافق بالمعنى مع دلالته، مختلف في الكينونة مع دلالته.

هذا النمط الفكري أسس للسياساوية في تلك المجتمعات، وعُلقت كل الفاعليات المحتملة، وعُطلت مشاريع العمل الجزئية من خلال التركيز الكبير على المقولات الذهنية (القومية، الأمة الإسلامية، الوطن).

أقصي الواقع تماماً لصالح تصورات ذهنية تجريدية، وحُيّدَ العمل الفعال (المتنوع والمتعدد في كل الملفات) لصالح التأسيس ثم التأسيس ثم التأسيس للفكرة العامة (القومية، الأمة، الوطن)

هذا التجريد كانت نتائجه وخيمة، وإن لاحقنا دوافعه الكامنة سنتبين أنه ليس إلا تعبير عن خوف وهروب من العمل الجزئي الفعال، المثمر.

الخروج من هذا المأزق يعني حرفياً الخروج من التجريد باتجاه التحديد، الخروج من الكلي باتجاه الجزئي، الخروج من الرمزية للواقع، الخروج من العطالة نحو الفعل، الخروج من العالم الافتراضي للعالم الواقعي الحي.

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى