ثقافة

ما العمل ؟ (3)

جلال مراد

النشاط الإنساني الفاعل:

الواضح في الحالة السورية أن المجتمع غير قابل للنكوص إلى الدولة الشمولية، التحول تمّ، وهو غير عكوس. لكن المرحلة القادمة تحتمل أن يتحول ثوار الأمس إلى دكتاتوريي اليوم، ليس على مستوى المجتمع بشكل عام، لكن على مستوى الكتل ما دون الوطنية (الأسرة، المنطقة، العائلة العشيرة وغيرها). هذه المرحلة الوسيطة تتكون عندما تبدأ قوتا الجذب للهوية المركزية السورية من جهة، وقوة الانفجار الأول الذي أحدثته الانتفاضة من جهة ثانية بالتعادل. في هذه المرحلة يتحلق الناس حول هويات ما دون الوطنية، يُنكّس العلم الوطني، وتُرفع أعلام الطائفة والعشيرة والعائلة والإثنية. لأنه لا يمكن بحال من الأحوال وتحت أي ظرف أن توجد جماعة بشرية بلا حدّ أدنى من التنظيم، أي بدون هوية، فالجماعة البشرية دون هوية تتحلل وتتحول إلى مجموعة من البشر لا ينظمهم ناظم ولا يوحدهم ناموس.

إن هذه المرحلة (تعادل القوتين) مؤقتة،  فما إن تبدأ قوة الجذب للهوية العامة تأخذ قيمة أعلى من قيمة القوة الانفجارية حتى تبدأ الحركة العكسية، فمع كل اقتراب من الهوية المركزية السورية يوازيه تخلٍ عن الهويات الجزئية المادون- وطنية، ورصدنا شكلين محتملين للتشكل النهائي تبعاً للانتماء وقوة الهويات الجزئية مقارنة بقوة الهوية السورية المركزية.

تبقى القوى داخل كل هوية جزئية غير متأثرة كثيراً بقوتي الجذب الآنفتي الذكر، والأمر يشبه القوى داخل قطار يتحرك، فرفع الكأس أو المشي أو غيره من أفعال القوى لا تتأثر بحركة القطار. في هذا الحيز بالذات تكمن أهمية النشاط الإنساني الفاعل. بمعنى أوضح كل مجموعة بشرية متحلّقة حول هوية جزئية ما دون- وطنية يمكنها أن تقوم بتحويل هذا التجمع من تجمع غير منظم، عبثي، تجمعه الغريزة القطيعية حول أشخاص ومبادئ عنصرية (عنصرية الهوية الجزئية) إلى بنية؛ أي مجموعة من الناس ينظمهم شكل فكري وعلاقات متوافقة مع متطلبات العيش والنماء.

التجلي العملي لهذه البنية هي أن يصبح هناك تابوات (تشريعات) تنظم العلاقات في المجتمع وخدماته، كالتعليم والصحة والشرطة والقضاء والكهرباء والصرف الصحي، والتمثيل التشريعي، وغيرها من المتطلبات الخدماتية.

في هذه الحيزات ما دون- الوطنية تبدأ الثيمات الأساسية للدولة بالبزوغ (بكون الدولة هي روح الشعب، وقد تجلى في كيان غير مادي، معنوي، ومارس سلطته على الناس، الذين سيتحولون إلى شعب مع تقدم اكتمال الدولة).

وكما ذكرنا أن هذه المرحلة يدخل بها النشاط الإنساني كقوة أساسية في تسريع هذه العملية وإكساء التشريعات والأطر الناظمة لكل هذه النشاطات بطابع حضاري سليم متسق متوافق مع احتياجات الناس، في إطار الهويات الجزئية (مادون- وطنية).

حروب أهلية أم سلم اجتماعي:

وضحنا أن العلم الوطني ينسحب في إطار تقدم الأعلام الجزئية، في الحركة العكسية باتجاه المركز الوطني- الهوية الوطنية. تضطر الهويات الجزئية للتعرف على بعضها البعض. والأمر أن هذا امتحان لكل هوية جزئية؛ امتحان لقبولها الآخر وتقبله، وكم تحتوي من العنصرية ووهم التفوق. هنا يمكن أيضاً للنشاط الإنساني العمل (يقظة الوطنيين والمثقفين السياسيين لهذه اللحظة التي من شأنها تخفيف حدة الصراع أو الحرب الأهلية بالتوازي مع تأسيسها لنظم عامة تضبط الاندفاعات العنصرية من الهويات الجزئية).

إن لحظة الجذب باتجاه الهوية المركزية الوطنية ستؤدي بالضرورة لاصطدام الهويات الجزئية ببعضها البعض، وستجد نفسها مضطرة لفهم بعضها إن تحلّت بالروح السلمية، أو لمقاتلة بعضها إن تمسكت بالجانب العنصري من الهوية الجزئية. الأمر قد يأخذ شهوراً، وقد يمتد سنوات طويلة. والأمر كما أسلفنا له علاقة بالنشاط الإنساني الواعي والفاعل في الحد من الجانب العنصري في الهويات الجزئية.

مجالين للنشاط الإنساني الفاعل:

عبر استعراض ما تم، ويتم، والتوقع لما سوف يحصل بناءً على المسار العام ودراسة القوى الدافعة، وجدنا أن هناك حقلين يمكن للنشاط الإنساني الفاعل أن يقوم بدور مقرر ومهم في وضع سوريا المستقبلي.

النشاط الأول:

وهو النشاط في داخل الهوية الجزئية. يتجه نحو تنظيم الحياة المدنية، والمرافق العامة والتعليم والصحة والقضاء وغيرها من الشؤون. هذا الجهد لكي يكون مكتملا ومستداما وثابتا من المناسب أن يتم استعمال مؤسسات الدولة لهذه الغاية بالترافق مع النشاط الأهلي الفاعل.

وخير طريقة لتحقيق ذلك هي القيام بعزل البلديات عن السلطات المستبدة، وإيلاء اهتمام دقيق بتشكيل مجلس بلدة يعبر عن الأهالي بشكل صادق ونزيه، ومنتم للأهالي انتماءً مطلقاً. القوامية على البلدية ستقود لقوامية على الشرطة والقضاء والتعليم، وكل مؤسسات الدولة المعنية.

يجب أن تترافق هذه العملية مع تفعيل نظام ضريبي مدروس لإمداد البلدية بالأموال اللازمة للإنفاق. مال نظيف وطني.

من الخطوات الأساسية التي يجب على البلدية العمل عليها هي حل مشكلة المسلحين من كتائب وفصائل وغيرها. يتم الأمر عبر توظيف هذه العناصر عبر البلدية، وتقنين استخدامهم للأسلحة، وتحويل ولائهم للأهالي عبر المجلس البلدي بوساطة الرواتب الممنوحة لهم. بعد احتواء المسلحين يمكن تحويلهم لأعمال منتجة مختلفة كما يمكن مقايضة الأسلحة تباعاً إن وضعت الحرب أوزارها بمعدات زراعية وغيرها من الأدوات الإنتاجية.

النشاط الإنساني الثاني:

وهو النشاط الذي يحد من اصطدام الهويات الجزئية، أو وقوع نزاع مسلح بين تلك الهويات. سيحمل المثقفين أغلب هذا العبء سواء أكانوا متدينين، أو غير متدينين، قوميين، أو شيوعيين، أو غير ذلك.

النشاط يأخذ جانبين اثنين أساسيين:

الجانب الأول:

نشاط توعوي، هدفه الحد من الجانب العنصري في الهوية الجزئية (سواء كانت طائفية أو عرقية أو مناطقية وغيرها). وهذا النشاط يستخدم الجوانب التي تحقق هذا الغرض من أدبيات الهوية الجزئية؛ كتاريخها ومصالحها ومستقبلها.

الجانب الثاني:

نشاط تنسيقي وتعريفي وتشريعي، يتم من خلال الناشطين في الهويات المتجاورة جغرافياً عبر العقود، والاتفاقيات التنظيمية، وغيرها من النشاطات الضامنة لعدم تسرب الجوانب العنصرية في كل هوية باتجاه الهويات القريبة جغرافياً (هذا التسرب الذي يعني حرفياً الحرب). ويمكن للنشطاء التقليديين المشاركة مع المثقفين في هذا النشاط من رجال دين وزعامات محلية وغيرهم.

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى