لقاءات

ماذا كان سيفعل لو قيض له قيادة المعارضة السورية ؟!

“أما الموقف من الثورة فلا بدّ بداية أن تحددي عن أي ثورة تتحدثين فلدينا ثورات عدة في البلاد. لهذا كان عليك أن تحددي لي من هي هذه الثورة أي من قادتها وما هي أهدافها وما هو جسدها وأين يتموضع، بماذا تعدنا كسوريين، أو بماذا تتوعدنا، عليك أن تعيّنيها لي فأنا لا أتحدث عن أمور إطلاقية أو غير متعينة”

حوار مع لؤي حسين رئيس تيار بناء الدولة

حاورته: ليلى الصفدي

ما هو برأيك الوزن الحقيقي لـتيار بناء الدولةالذي تمثله، وهل لا زلت تمثل هذا التيار؟

نعم ما زلت أمثل التيار، أما وزنه على الأرض فلا يتبع لرأي ولكن لمعلومة، والمفترض أن من هو قادر على الحصول على هذه المعلومة هم إما مراكز دراسات أو وسائل إعلام صحفية قادرة على الوصول إلى جميع الجمهور السوري في جميع المناطق ومن جميع الطوائف وجميع التوجهات السياسية وكافة المستويات العمرية، فتختار عينات مناسبة لتطرح عليهم سؤالاً واضحاً من دون التباس عن وزن التيار. أو يمكننا حتى تحين لحظات ديمقراطية ويكون لدينا صنادق اقتراع محلية أو نقابية أو تشريعية.. فحينها يمكننا معرفة مدى وجود جميع القوى في الأوساط الاجتماعية.

لكن راج بين أوساط معارضة ثقافة منقولة عن طروحات النظام ترى أنه لا يجوز لمجموعة ما العمل في الشأن العام إلا إن كانت بحجم حزب البعث، وهذا بالتأكيد لن يكون متوفراً لأي مجموعة سياسية، هذا فضلاً عن أنه لا يمكن لمجموعة سياسية أن تولد مع أثر كبير في المجتمع السوري.

لكن تقديري أنه لا يوجد العديد من الأحزاب السورية عدا حزب البعث أكبر بكثير من تيار بناء الدولة السورية، فهو أكثر انتشاراً وأثراً من أحزاب معارضة كثيرة. لكن علينا دوماً استثناء الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق؛ فهذان ليسا تنظيماً سياسياً بل جمهرة سياسية عابرة مرهونة بوجود النظام. فالكثيرون لا يعلمون أنه يوجد في الائتلاف غير تنظيم الإخوان المسلمين. ولن أذكر هيئة التنسيق فهذه أمرها أكثر تعقيداً.

نسب إليك ولزملاء لك فيالتيارالكثير من الكلام القاسي، بل وربما أكثر، بحق الثورة، كما أنك تعلن صراحة أن علمك هو العلمالأحمرورفضت الوقوف أمام علم الثورة، ما هو موقفك الحقيقي من الثورة السورية؟ وهل تعتبرها بالفعل ثورة؟

لا أعرف كيف سأجيب عن سؤال مبني على معلومات مغلوطة. فإن قلنا إنه يمكنك أن تقولي أي كلام غير دقيق وتقولي إنه نسب إليك، لكن قولك إنني أعلن صراحة أن علمي هو العلم الأحمر وأرفض الوقوف أمام العلم الأخضر هو قول مغلوط جملة وتفصيلاً وينم عن أنك تجرين مقابلة صحفية وكأنها جلسة مقهى. لهذا اعذريني عن الإجابة عن سؤال غير محقق الصدقية إلى أن تأتيني بتصريح لي أقول إن علمي هو العلم الأحمر وأني أرفض الوقوف أمام العلم الأخضر.

أما بالنسبة للثورة فهل هي إن كانت كذلك بحاجة لسؤال الأشخاص إن كانت ثورة أم لا. فهذا يدل إلى عدم ثقتها بنفسها على أنها ثورة. فلا أظنك تسألين الناس إن كانوا يعتبرونك سيدة أم لا، إلا إذا كان لديك ما يخفي ملامحك كسيدة، وكذلك لا تسألين الناس إن كنت أنا رجلاً أم لا. فربما لو كانت الثورة ترى نفسها كذلك لكان السؤال: هل تعجبك الثورة؟ أو ما الذي لا يعجبك بالثورة؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تقرّ مسبقاً بوجود الثورة.

أما الموقف من الثورة فلا بدّ بداية أن تحددي عن أي ثورة تتحدثين فلدينا ثورات عدة في البلاد. لهذا كان عليك أن تحددي لي من هي هذه الثورة أي من قادتها وما هي أهدافها وما هو جسدها وأين يتموضع، بماذا تعدنا كسوريين، أو بماذا تتوعدنا، عليك أن تعيّنيها لي فأنا لا أتحدث عن أمور إطلاقية أو غير متعينة.

ما هو موقفك الحقيقي من النظام السوري في ظل ما يتردد عن ولاء طائفي مبطن في مواقفك السياسية؟ وماذا تقول لمن يعتبرك أداة للنظام بزي معارضة؟

أين يتردد هذا الاستبطان؟ وماذا يعني ولاء طائفي هنا، أهو ولاء للنظام مثلاً، أم ولاء للطائفة؟ فإن كان من يقول ذلك قد دخل باطني وتبين له هذا المخبوء فحقيقة عليك أن تسأليه هو عن ذلك وليس أنا.

إن كان هذا الولاء للنظام فهذا لا يمكن أن يكون مبطّناً، ولماذا يكون مبطّنا؟ هل هناك طرف في مواجهة النظام مخيف إلى درجة أني أخفي عنه ولائي للنظام؟ أم أني أكسب رزقاً أو مالاً أو جاهاً أو سلطة من هذا الطرف القوي فأُظهر له غير ما أُبطنه.

أقول لمن يعتبرني أداة للنظام: كيف لك أن تثبت لي أنك أنت لست أداة للنظام؟ هل فقط لأنك قليل التهذيب فتشتم بشار الأسد بكلام بذيء، أم لأنك لا تجيد من السياسية سوى الشكوى والبكاء لتتكسب من دم السوريين؟ ألم تكن حتى الأمس القريب تدبك في ساحات البلاد محتفلاً بسلطتك عندما كنت أنت النظام وكنت أنت تقمعني وتضطهدني؟ ألست أنت من سرق مالنا وجهدنا عندما كنت ركناً من أركان النظام؟ ألست أنت الآن تتباهى بمرتبتك الوظيفية كوزير أو سفير أو ضابط التي منحك إياها النظام؟ ألست أنت تعتبر أن كل ما فعله النظام كان سيئاً إلا اعتمادك ركناً من أركانه؟ ألم تسمعي ياسيدتي عمن لا يزال متمسكاً باللقب الذي منحه إياه النظام، وأنا مثلي مثلهم أتباهى أيضا بما منحني النظام من مراتب؛ هي أني مجرد سجين للنظام لسنوات طوال ولمرات عديدة، وأنني ما زلت أحمل ندوباً على جسدي من تعذيب النظام قام به ربما بعض أبطال اللحظة الراهنة.

نعم أقول لهذا الذي يعتبرني أداة للنظام إننا سنحاكمه بنفس المحاكم التي سنحاكم فيها كل من حمل النظام يوما على كتفيه. فإن كنا نصمت عنه الآن وعن خدماته للنظام ولأجهزة مخابرات دولية أسوأ من النظام لأننا نريد أن نقلل من العثرات التي تعيقنا عن الإطاحة بالنظام.

ما معنىالتغيير مع الحفاظ على مؤسسات الدولةوالذي لا زلت تنادي به منذ بداية الثورة، ونحن نعلم أن النظام يستخدم حتى مؤسسات الكهرباء والاتصالات في حربه ضد الشعب، هل تتضمن هذه المؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية مثلاً؟ وهل لا زلت ترى في مثل هذا الطرح واقعية أو عقلانية؟

لا أذكر أني قلت مثل هذه العبارة إطلاقاً. ولكني بالتأكيد مع الاحتفاظ بكل شيء في الدولة، مؤسساتها العسكرية والأمنية والكهربائية والزراعية والاقتصادية والتعليمية وكل ما دفعنا نحن وآباؤنا ثمنه من جهدنا ومالنا؛ فهذه ملكنا لكن النظام استولى عليها واستغلها بطريقة ما لمصلحته. كما أني أريد الاحتفاظ ليس فقط بالقصور الجمهورية بل بالمؤسسة الرئاسية ذاتها.

كل ما على هذه الأرض يا سيدتي هو ملكنا نحن السوريين، بما في ذلك الطائرة التي تقصفنا بالبراميل المتفجرة وذاك العلم الأحمر الذي يعتبره البعض سذاجة أنه علم النظام بحجة أن قوات النظام تعمل تحت رايته، وكذلك نحن خرجنا طيلة الأشهر الأولى نتظاهر تحت رايته.

ألا ترى أن غالبية تصريحاتك تفيد النظام أكثر مما تفيد الثورة؟

لم أهتم يوماً بمن يستفيد من تصريحاتي أكثر أهو النظام أو الثورة. ما يهمني أن أحمي شعبي من أي اعتداء عليه أو أي انتهاك لحقوقه وحرياته وكرامته حتى لو جاء هذا الاعتداء تحت مسمى زائف على أنه الثورة. بوصلتي هي شعبي بمجمله دون أدنى تمييز على أساس الطائفة أو الدين أو الجنس أو العرق أو الموقف السياسي.

ومع ذلك إن كان النظام يستفيد من تصريحاتي أكثر من الثورة فربما لأنه أشطر منها، فقد استفاد من كل شيء أكثر من الثورة.

كيف تنظر الى المواقف الدولية، وهل ترى اختلافاً جوهرياً بين مواقف الدول التي تسمي نفسهاأصدقاء الشعب السوريمن جهة، ومواقف روسيا وإيران من جهة أخرى؟

بلدي محطم وأنا بحاجة لإيقاف دماره ولست في رخاء يتيح لي أن أقيم مقارنات بين الدول. ولكن كل دولة تضر بشعبي لن أنسى لها ضررها هذا لاحقاً.

ما هي برأيك أهم الأخطاء التي وقعت فيها المعارضة؟ وما هي المواقف التي وفقت فيها؟

فشلنا في إنتاج معارضة بشكل عام، وما هو بين يدينا أغلبه صناعة دوائر دولية للقيام بمهام محددة في الأوقات المناسبة. لهذا فمن الظلم محاسبتنا كسوريين على طبقة المعارضة التي نُصِّبت لنا أو علينا، كما من الظلم لنا محاسبتنا على العنفيين الذين سيطروا على مساحات كبيرة من البلاد باسم المعارضة أو الثوار أو باسم مواجهة النظام.

فمن غير الصحيح أن نجلس ونقيّم أعمال ومواقف المعارضة السورية فهذا عمل من دون طائل. وإذا أردنا أن يكون لنا عملاً مجدياً على هذا الصعيد فهو أن نعمل لنطلق العشرات من التنظيمات السياسية التي ليس لها وزن حتى يمكننا من صنع حراك سياسي نحن بأمسّ الحاجة له إن كنا نريد بناء بلدنا.

فيما لو أوكلت إليك المعارضة قيادة المفاوضات مع النظام ومع الدول الأطراف المتدخلة في الصراع، وفيما لو امتلكت فعلاً سلطة القرار السياسي باسم الثورة والمعارضة، كيف كنت سترى الحل للأزمة السورية؟ وما هي القرارات والخطوات الفعلية التي كنت ستتتخذها؟ والأهم كيف تتصور النتائج في ظل موازين القوى الحالية وإرادات الدول النافذة؟

نعم هذا سؤال يفيد البشر. هكذا يا سيدتي تكون الأسئلة الصحفية التي تريد تشكيل إضافة معرفية على مجريات الأحداث.

لو قيض لي ذلك سأنطلق من معادلات بسيطة، مثل هل ما زال يمكنني تقديم ضحايا أكثر، إن كان من القتلى أو المهجرين والمشردين في سبيل قتال مع النظام غير معروف النتائج أو المدة؟ هل باتت خسائري كسوري تقتضي مني التوقف عن ضرورة محاسبة النظام الآن إلى تأجيل ذلك إلى وقت لاحق، والعمل الآن على إيقاف هذا النزيف الذي لا يمكن لأي حل لاحق أن يعوضنا ما خسرناه. وهنا لا أتحدث عن القتلى بل عن الدمار وعن المهجّرين، إذ أنه من الصعب علينا استعادة أكثر من نصف اللاجئين إن أنهينا الأزمة الآن، فكيف إن تأجل الأمر لوقت لاحق.

بناء على ذلك سأنطلق من ضرورة العمل على إيقاف هذه التضحيات المجانية التي لم تغيّر شيئاً في موازين الصراع منذ مضي أقل من سنة على انطلاق المظاهرات. لكن هل يعني هذا الإيقاف إعادة إنتاج النظام، أو تمكينه من نصر صريح؟ جوابي هو لا. لكن هنا علي العودة إلى أهدافنا الأولى في المظاهرات وهي الحرية والمساواة والعدالة والكرامة. والعمل الجاد على تحقيق هذه الشروط خلال عملية تسوية ترضى بها الدول ذات العلاقة المباشرة في الصراع السوري.

فأنا أعتبر أن الأساس الذي يقوم عليه أي نظام استبدادي هو تمكنه من انتهاك الحريات العامة والحقوق المتعارف عليها لجميع المواطنين. لهذا في حال استطعنا اختراق هذه البنية للنظام عبر وضع قوانين تنص على قدسية الحريات ووضع جميع الموانع التي تحول دون انتهاك السلطات لهذه الحريات من خلال إقامة سلطة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية بل وتكون أعلى شأناً دستورياً منها، وعدم إعطاء رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء صلاحية تشكيل مؤسسات أمنية تتبع له ويسميها الضابطة العدلية، إضافة لأمور من هذا النوع التي تضمن إطلاق الحريات عند السوريين، أظن أن ذلك يمكن أن يكون أساساً صالحاً لمرحلة انتقالية تحكمها سلطة محدودة الصلاحيات ومحدودة المدة الزمنية، يكون من مهامها تهيئة البلاد سياسياً وأمنياً لانتخابات تقبل بها جميع الأطراف.

لا بد لي منذ البداية من الانطلاق للدفاع عن حقوق جميع السوريين، موالين ومعارضين، والعمل على تأمين مصالحهم جميعاً، إذ أنه لا يجوز لنا أن نعتمد أسلوب بشار الأسد الذي يقول إنه ليس رئيساً لجميع السوريين، فنحن علينا إنتاج سلطة لجميع السوريين، هي تلبي مصالحهم وهم يلتفون حولها ويحمونها.

الأمر ليس بسيطاً في الحل أو الإجابة، فهو أكثر تعقيداً من أن تتسع له صفحات مجلة أو ينتجه دماغ واحد. ولكن يمكننا أن نعلم أننا ومنذ انطلاق تدويل قضيتنا بشكل صريح مع نهاية عام 2011 فقد صار عصياً على طرف أن ينتصر على الطرف الآخر، أو على الأطراف الأخرى بعد أن تعددت الأطراف المتصارعة. فباتت موازين القوى متعادلة، فكلما تلقت قوى المعارضة دعماً يتلقى النظام دعماً مقابلاً، والعكس صحيح إلا في الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً بعد التدخل الروسي إذ حرمت المعارضة من الدعم وتُركت تتلقى هزيمتها أمام أعين الدول التي قالت إنها صديقتها.

عبارة ختامية: ما كان يمكن لبشار الأسد أن يصمد كل هذا الوقت لو استطعنا الحفاظ على السلمية أسلوباً في صراعنا معه. وما كان له أن يبقى كل هذا الوقت لو وجِد بديل له. وما كان صار بنا الذي صار لو لم يهرب المعارضون وقادة المظاهرات إلى خارج البلاد تاركين الساحة والشوارع للنظام وحده.

لقد حققنا انتصارات مهمة في الأشهر الأولى ولم نحقق بعدها أي انتصارات مهمة، وما نراه على الأرض من وجود فصائل مسلحة فهذه حالة لن تدوم.

صمد النظام طوال هذا الوقت لأنه لم يكن في مواجهته كيان يمكن له أن يحل محله في حال سقط.

ليلى الصفدي
كاتبة صحافية وناشطة سورية من الجولان المحتل، رئيسة تحرير طلعنا عالحرية سابقاً.
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى