تقارير

لماذا كان علينا أن نعود إليكم؟

اللوحة للفنان سمير خليلي

آراء لسبعة كُتاب سوريين عن معنى وجدوى العودة

كانت انطلاقة “طلعنا عالحرية” في أوائل عام 2012، من رحم لجان التنسيق المحلية في الثورة السورية، لتكون صوت الثوار الأحرار ومنبراً حراً لأقلام السوريّين بحرية من أيّ قيود مرجعية من سلطات الأمر الواقع، أو من رقابة التيارات المتشدّدة المتعددة على الأرض السورية، وكان قرارها هو “أنا هنا لأعيش بصوتٍ حرٍ عالٍ” وهذا ما حدث على مدار 87 عدد صدروا خلال خمس سنوات من عمرها.
اليوم بعد توقفنا عن الصدور منذ آذار/ مارس 2017، نستعرض آراء سبعة من الكُتّاب السوريّين حول معنى وإمكانية عودتنا إليكم لمحاولة تقديم صحافة ترقى لتطلعاتكم وآمالكم، ونحن على عتبة السنة التاسعة لثورتنا العظيمة بتضحياتكم. فكان هذا التحقيق..

طلعنا عالحرية – غسان ناصر

الكاتب والباحث الأكاديمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية سلام الكواكبي، (رئيس مجلس أمناء مؤسّسة “اتجاهات – ثقافة مستقلّة”، والمدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، ورئيس منظمة “مبادرة من أجل سوريا جديدة”):

  • إعلاء مسألة حرية التعبير كهدف أسمى..
    يقول عبد الرحمن الكواكبي: “لمّا كان ضبطُ أخلاق الطبقات العليا من النّاس أهم الأمور، أطلقت الأمم الحرّة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنيةً القذف فقط، ورأت أن تحمل مضرَّة الفوضى في ذلك خير التحديد؛ لأنَّه لا مانع للحكّام أنْ يجعلوا الشّعرة من التقييد سلسلة من حديد، ويخنقون بها عدوّتهم الطبيعة، أي الحرية”.
    أين نحن من هذا القول بعد أكثر من قرن على نشره؟ في حالة مزرية بالتأكيد. فالإعلام العربي عموماً والسوري خصوصاً عاش قهراً وقمعاً طوال عقود ما بعد الاستقلال. حتى، وللمفارقة، يمكن القول في حالة الإعلام السوري بأنّه عرف نوعاً من الحرية النسبية إبّان الاحتلال الفرنسي لم يعرفها بعد انقلاب 8 آذار (مارس) 1963. وبينهما، ازدهرت الصحافة السورية في فترات الديمقراطية الجنينية وحتى في ظلّ الانقلابات العسكرية التي تتالت على البلاد قبل صعود الشمولية إلى الواجهة ولغة الحزب الواحد وتهجين التعبير.
    لقد شكّلت مجلة “طلعنا عالحرية”، كما عدد من وسائل الإعلام الجديدة التي انبثقت عن جوعٍ حقيقي للتعبير غير المقيد بعد انتفاضة 2011، جزءاً من ظاهرة صحّية ونتيجة من النتائج الإيجابية للانتفاضة. وخلال سنوات قليلة، حظيت بمصداقية مهمة في ظلّ تجربة السوريّين السلبية مع صحافة حكومية أو خاصّة تميّزت بالخطاب الخشبي وإضافة إلى أنّها مارست الكذب والتضليل والنفاق طوال عقود. وكان لما سماه البعض بالصحافة البديلة مجال واسع يمكن لها أن تخترقه وتثبت أقدامها فيه من خلال إعلاء مسألة حرية التعبير كهدف أسمى. وقد بيّنت التجربة بأنّ هذا المشوار تعرّض للكثير من الهنات البنيوية وكما أساء إليه ممولوه من حيث تفاوت نسب الدعم المرتبطة بأجندات سياسية معينة.
    الاستبداد وتكميم الأفواه صارا في الفعل السوري نمطان لعقليات وليس فقط لأنظمة. فكثير ممن ادعى وصلاً بالمعارضة مارس قمعاً شبيهاً وأحياناً أقسى ضدّ حرية التعبير وضدّ كلّ من خالفه بالرأي. وتصير هذه الممارسات أشد وأقسى عندما تستند إلى مرجعية مقدسة. لقد تعرضت الصحافة الجديدة في سوريا إلى قمع وعنف “ذوي القربى” إن جاز التعبير، وهو أشد مرارة من ظلم الظالم الرسمي والمتعارف عليه. فعدد الإعلاميين الذين قتلوا واعتقلوا في مناطق تسيطر عليها فصائل إرهابية أو / ومتطرفة يشكل خطراً ماحقاً لحرية التعبير التي ثار بعض السوريّين من أجلها.
    مبروك العودة والاستفادة من اللجوء ! كواحة حرية للتعبير بعيداً عن المحرمّات المدمرة للفكر وللإبداع مهما كان مصدرها: سلطة سياسية مستبدة أو سلطة دينية ظلامية أو حتى سلطة اقتصادية متحكمة.

الكاتب والروائي عبد الرحمن مطر (مدير مركز الدراسات المتوسطية “نورس”)

  • الحرية أولاً.. ودائماً
    يبدو المسمّى اليوم، لا لبس فيه، ولا ثمّة تفسير آخر له: “طلعنا عالحرية”. في المرة الأولى تعني خطاب السوريّين: حالتهم وتوقهم الأبدي. وفي الثانية اختصت بحالة المجلة التي منعت لقرابة عامين من العمل والصدور، عامين من الحرمان المجحف بحق المجلة وكادرها. وهو حرمان لا يمكن لأحد وضع أيّ توصيف يشتمل على المشاعر التي ألمت بفريق العمل، قبل القراء ومتابعي المجلة. هذا الشعور، في غالب الأحيان تخون فيه العبارة، العبرة، والألم. ومن لم يكتو بمثل هذا الحرمان، لا يمكنه أن يقف على هذه الحالة المريرة: الحرمان من الحرية، ومن حرية التعبير معاً.
    بلا أدنى شك، كان قرار إيقاف “طلعنا عالحرية”، بما فيها الأحكام التي لحقت برئيسة التحرير وكاتب المقال، هو مخالف للقواعد القانونية المتعارف عليها، وفقاً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهي قواعد آمرة، باعتبار حق التعبير، والحريات المتصلة به، هو حق أساسي، لا يجوز حجبه، أو الحيلولة دون ممارسته بأيّ وسيلة كانت بما فيها القضاء، ومهما تكن الأسباب. بما فيها السبب الذي ذهبت إليه محكمة “جيش الإسلام” قبل زوال منظومته وتفككها: أي التعرض للدين الإسلامي “الإساءة للذات الإلهية”. وهو رأي بُني وفقاً لتفسير وفهم مجموعة تحتكم إلى السلاح.
    ليس من حق أحد مصادرة حرية التعبير، وهي حرية غير محدودة، مرتبطة بالمسؤولية، ولا سقف لها. وليس في الدين الإسلامي ما يحدّ منها، ولا في أيّ دين أو شرعة أخرى، وليس من حق أيّ سلطة كانت سياسية أم اجتماعية أم دينية، في أيّ زمان أو مكان، خاصّة في حالتنا السورية. التعدي عليها وانتهاك حقوق الأفراد والجماعات بذلك، هي جريمة كبرى.
    لقد خرج السوريّون من أجل الحرية، وفي سبيلها ما تزال التضحيات تترَى، وفي مقدمها حق التعبير: القول والكتابة، المكاشفة، قول الحقيقة، كشف الفساد، وتعرية الاستبداد.
    مبارك لنا جميعاً استعادة الحرية: “طلعنا عالحرية” من جديد!

الكاتب والمحامي الفلسطيني السوري أيمن أبو هاشم (المنسق العام للتجمع الفلسطيني السوري الحر “مصير”):

  • صوت الحقيقة في مواجهة ثقافة الخوف..
    منذ صدورها ولغاية توقفها بحكم قضائي مجحف، أكدت مجلة “طلعنا عالحرية”، انتماءها إلى الصحافة المستقلة، وأخذت مكانتها المتميزة، كمنبر مفتوح أمام أصحاب الآراء والأقلام الحرة. لم تحد عن رسالتها في تنمية ثقافة مجتمعية، تؤمن بحرية الرأي والتعبير وتنافح كي تكون صوت الحقيقة في مواجهة ثقافة الخوف والتعمية. تمسكت طيلة أعدادها السبعة والثمانين، بهويتها الخاصّة في زمن السير بين حقول الألغام، وحافظت على الموضوعية في تناول قضايا وهموم الناس، دون أن تهادن أو تجامل على حساب مسايرة النزعات الغاشمة. شقت طريقها بلا كلل وبكلّ إصرار على اجتراح أفكار ورؤى مستنيرة، فأثارت على صفحاتها أسئلة المنكوبين، وتساؤلات التواقين للحرية والخلاص. يدفعها الحس النقدي إلى معاينة الوعي السوري المهجوس بالتغيير، والذهاب نحو أقصى ممكنات البوح بلا قيود، وتسليط الضوء على حيوات ومطارح وهوامش، تعكس المخاض السوري في تحوّلاته الكبرى، ما بين عوالم الحرب والحصار، وما حفرته محنة السوريّين من دروب الآلام والألم.
    “طلعنا عالحرية” لم تكن مشروعاً ينزف حبراً بلا ثمن، ولا مشروعاً لتدوير الكلمات في فضاء اللا معنى، ولذلك دفعت ضريبة باهظة على مقصلة إسكاتها. ليس عقوبة على مقالٍ تجاوز حدود الممكن، بل لأنّها أغضبت برسالتها الخارجة عن سلطة الإذعان، تلك العقول التي ورثت أزمنة الاستبداد وتشوهاته، وأقامت محاكم التفتيش باسم سلطة القضاء المُكبل بأوهامها وقيودها.
    اليوم تعاود “طلعنا عالحرية” صدورها، وهي أكثر مراساً وأشد رسوخاً بما تؤمن به، وفي ظلّ حاجة سورية مُلّحة، لأصوات حرة ومستقلة، تكابد دفاعاً عن الحق المقدس في حرية الرأي والتعبير، ومن ضمّخت أنفاس الحرية رسالتهم النبيلة لا يعرفون دونها سبيلا.
    كلّ التقدير لمن رفضوا تغييب “طلعنا عالحرية”، وإسكات دورها في نشر الكلمة الراعفة بالحق والحقيقة، والدعم لإصرارهم على استمرار صوتها الحر رغم تعدد وتعسف الرقباء…

الكاتب والصحافي حافظ قرقوط:

  • سوريا بحاجة إلى الإعلام الحر
    إنّ القرار الذي صدر بحق المجلة واعتباره حينئذٍ قراراً قضائياً كان أمراً مؤسفاً من تسلط حكم الأمر الواقع، وقد جاء بعد تقديم مئات آلاف الشهداء في سبيل حرية سوريا، لقد عشنا عقوداً عجافاً من حكم الديكتاتورية العسكرية وتسلطها على كلّ ما يخصّ حياة الناس، ومصادرتها لكلّ الوسائل الإعلامية وإبقائها ناطقة باسم السلطة ومسوقة لها فقط، والجميع يدرك أنّ نظام الأسد كان يخون كلّ من لا يتوافق مع رأيه، وإذ بالسوريّين بعد الثورة تتحكم بيومياتهم دكتاتورية جديدة تتستر بغطاء الدين لتفرض أمراً واقعاً تعطي صكوك الإيمان والكفر على طريقة الأسد بما يحقق مصالحها.
    بغض النظر عن مضمون أيّ مقال إن كنا نوافق كاتبه أم لا، علينا أن نتعود بأنّه مجرد وجهة نظر شخصية يمكن مقابلتها بالكلمة لا بسلطة قانون يحتمي بسلاح وسجون قوة الأمر الواقع، فالتلطي خلف مفردات دينية لا يعني أنّ القائمين عليها يتمتعون بصفة الحق والعدل والإنصاف، الآن من يحاسب من تحكم بمعابر الأكل والإغاثة ومن أنشأ السجون، كما تسببت حروبهم الداخلية كفصائل بوقوع العديد من الضحايا. ليرحلوا أخيراً ويتركوا الناس لمصيرها.
    جاءت الثورة السورية لرد الاعتبار إلى سوريا وإنسانها ووضعها على خارطة الفعل الحضاري الحر من جديد، فتحكمت قوى الأمر الواقع للأسف بمصير الناس وأفكارها وقوت يومها، ويمكن القول إنّ المحاكم التي أنشأتها غير قانونية لأنها لا تتبع لدستور دولة كما محاكم الأسد العرفية، بل كانت اجتهادات مناطقية لتغطية عيوب أفعال داخلية بعناوين كبيرة، وعلى الرغم من ذلك اضطرت هيئة تحرير المجلة للانصياع لتلك السلطات وقدمت اعتذارها في حينها خوفاً على كادرها، إلّا أنّ سلطات الأمر الواقع كما النظام مهمتها إقصاء شرائح كبيرة من السوريّين وقد تابعت غيها بالوقوف بوجه أيّ عمل مدني لا ينضوي تحت عباءتها.
    سوريا بحاجة إلى الإعلام الحر كحاجتها إلى الهواء وهو الذي يمكنه أن يساهم بتشكيل رأي عام سليم ويقف بوجه كلّ أشكال الديكتاتورية، فهي التي ذهبت بمجتمعاتنا إلى الجحيم، مجلة “طلعنا عالحرية” شكلت حينها خطوة ضمن خطوات السوريّين كان يجب أن تبقى وتطوّر نفسها ككل التجارب، تخطئ وتصيب وتنمو وهذا طبيعي لنراكم النجاح، والخطأ هنا بكلمة أو تعبير وليس برصاصة قاتلة.

الكاتب والمحلل السياسي أحمد مظهر سعدو:

  • الوقوف في وجه كلّ أنواع الطغيان..
    لم يكن خروج الشعب السوري في ثورته أواسط آذار/ مارس 2011 إلّا في مواجهة العسف الأسدي، وكم الأفواه وكبت الأنفاس التي عمل عليها المقبور حافظ الأسد، ثم تبعه ابنه بشار، فكانت ثورة الشعب السوري ثورة الحرية والكرامة، ولم تكن ثورة الجياع، كما كانت سواها في غير مكان من العالم. لقد رأينا كيف كانت دموع الفرح السوري تنهمر، بينما يجد نفسه (هذا السوري) المقموع والممنوع من إمكانية الكلام أو التعاطي بالسياسة خارج مسموحات النظام، وبعيداً عن محدداته ذات التابعية، والارتماء في أحضان الدجل البعثي، والمديح البائس، لذلك فإن الشعب السوري يدرك أهمية أن يتحرر من العبودية، ويملك فاعلية الخروج في مواجهة القمع الأسدي، ليكسر حاجز الخوف، ويحطم ثقافة الخوف التي طالما منعته ولجمت حراكه وتعبيراته، إلا عبر الرموز والرمزية المفرطة، التي دأب على التعاطي بها كلّ من يعاقر السياسة في سورية.
    كانت دموع الفرح تنهمر من مقلتيه، وهو يعيش حالة الاختراق القوية لحاجز الخوف. فهل يمكن وهو كذلك أن يقبل بممارسات قمعية أو لاجمة للحرية، من أيّ جهة كانت حتى لو كانت بأسماء شتى، أو ممن يدعون الانتماء للثورة؟ بكلّ وضوح وتأكيد نقول لا، لأن من وقف في وجه الطاغية، سيقف في وجه كلّ أنواع الطغيان، ولن يسمح لثلة هنا أو هناك بمنعه من التعبير عما يجول في مخياله، وليس هناك من إمكانية للقبول بمن يهدر إنسانية الإنسان أو يكم الأفواه، ويُغيِّب من قالوا بالعمل من أجل كشف المستور، وفضح (عبر التوثيق المنهجي)، كلّ ما هو مانع للحرية، وحاجز لها، ومن يُغيِّب رزان زيتونة ووائل حمادة ورفقاءهما ، ليس غريباً عنه منع صحيفة جاءت لدعم الحرية والكرامة، ومن ثم منعها من الصدور تحت ذرائع شتى، غير مقنعة لأحد.

الكاتب والشاعر حمزة رستناوي:

  • في حدود حرية التعبير
    الأصل في الحياة هو الحرية، والتقييد يجب أن يكون لضرورات يقبلها عامة الناس عبر العصور والمجتمعات، أو ما سوف نصطلح على تسميته “مرجعية البداهة الحيوية الكونية للمصالح المشتركة” وفقاً لنظرية المنطق الحيوي.
    أولوية الحياة مثلاً سابقة لأولوية الحرية فالخوف على حياة صحفي في ظروف صعبة معينة، يُبرّر تمام الامتناع عن نشر مقال معيّن، كان من حقّه في الظروف الاعتيادية كتابته ونشره دونما قيود، وهذا ما حدث تماماً في قضية مجلة “طلعنا عالحرية” عام 2017 والحكم الصادر غيابياً بإيقافها وسجن الكاتب مع رئيسة التحرير.
    لنفترض أنّ شخصاً قال أو صحفياً كتب مقالاً يتضمن رأيه في عدم وجود الله أو أنّ محمد ليس نبياً، أو أنّ الصحفي أعلن براءته من الإسلام، أو أنّ القرآن مجرد كتابة بشرية، أو أنّ علي بن أبي طالب ليس إماماً، أو أن أبو بكر الصديق ارتكب خطأ فيما يُسمى “حروب الردة” مثلاً! أو أنّ المسيح شخصية غير حقيقية، أو أنّ آدم مجرد أسطورة.. إلخ.
    هنا يجب أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل ينتج عن هذا الرأي ضرر بيّن (صريح) وأكرّر بمقياس عامة الناس عبر العصور والمجتمعات، وليس بمقياس فئوية عقائدية دينية مهما كبرت! أو بمقياس فترة تاريخية مهما تطاولت! الجواب الصريح على ذلك: ليس ثمّة ضرر يترتب على أيّ إنسان بسبب قول أو نشر تبنّي هكذا آراء.
    هذه أمور تحتمل الاختلاف ولا ينبغي للدولة أو السلطة بمعناها الاعتباري إلزام الناس بأيّ رأي مخصوص بها.
    على النقيض مثلاً من قول أحدهم: يجب منع المساجد أو الكنائس أو يجب عدم توظيف المسلمة المحجبة أو قول أحدهم بأنّ دين رئيس الدولة يجب أن يكون حصراً الإسلام أو المسيحية مثلاً.

الكاتب والروائي ضاهر عيطة:

  • الانتصار على الاستبداد الديني والسياسي
    أن تتحكم بالفكر والحرية، جهات تفترق تماماً عن مثل هذه القيم السامية، و ألا تتحسس وجودها وكيانها، إلا إذا ما تماهت مع القمع والاستبداد والغيبيات والأساطير، نكون أمام مأساة حقيقية، تخطط لها جهات خارجة عن نطاق العقل والمنطق، فما اتخذ من قرارات بغرض إيقاف مجلة “طلعنا عالحرية” حينما أصدرت ما عرف بـ(محكمة بداية الجزاء الثانية) في دوما في الغوطة الشرقية بتاريخ 11 تمّوز (يوليو) 2017 قراراً بشأنها، بحجة الإساءة للذات الإلهية، إنّما كان أصحاب هذا القرار يتخيلون تلك الإساءة وقد طالتهم هم، بوصفهم أشباه آلهة على الأرض، وهم الذين تتلمذوا وتخرجوا من مدارس وسجون الأسد، وقد أصبحوا في خبر كان، حالما انتهت مهمتهم، فكيف بالإمكان الاحتكام لجهات من هذا النوع، تتمتع ببنية عقائدية وفكرية، تعادي في أساسها الحرية والعقل؟ بينما المنطق يقول: إنّ الرد على الحجة، يكون بالحجة، وليس بالإلغاء، ذلك الإلغاء الذي يثبت أنّ الطرف الذي اعتمده، لا يستطيع البقاء إلا بإعدام الطرف الآخر ، تماماً كما هو منطق نظام الأسد، ومن هنا ليس مصادفة أن يعادي “جيش الإسلام”، الذي كان يتحكم بحياة الناس في غوطة دمشق، ما كان، وما زال يعاديه نظام الأسد، فكلاهما يرى في ذاته آلهة تستمد وجودها وكيانها، من خلال استعباد الناس، وإعدام عقولهم وحريتهم.
    وحينما تولد مجدداً مجلة “طلعنا عالحرية”، وتعاود تنفسها من تحت الركام، إنما يعني ذلك، انتصارها على الاستبداد الديني والسياسي، المنافي لجميع القيم والمعاني الإنسانية والفكرية.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى