مقالات رأي

كم مرةً كُنت؟ وكم مرةً متّ، وولدت؟

اللوحة للفنانة ديمة نشاوي

  • إبراهيم الأصيل

ليس عدلاً أننا نستخدم الأيّام والسنين لقياس طول الثورات والحروب، والحصار والاعتقال، والحب والفقد والشوق، فكل ذلك يأخذك لفراغٍ تُبحر فيه وحدك في عالمٍ يتضاءل فيه دور الزمن. وليس عدلاً أننا نستخدم كلماتٍ مثل “جريمة” لوصف قتل آلاف الأطفال، أو “قصف” للحديث عن إبادة مدينة بأحلامها وسكّانها. الزمن أضيق من الثورات، وكثيراً ما تخذلك اللغة أمام جرائم الطغاة.
في سنواتنا الثمان، حلمنا وكبرنا بآمالنا حتى غدا الواقع على الهامش، ثمً تماهت الوجوه حتى تشابه شكل من نثق بهم مع ملامح من يخوننا. وتداخلت الكلمات حتى أضحى أي صراخ مبدأ لا يحتمل الجدل، وتكاثرت الإشارات حتى لم يعد للاتجاهات معنى. الهدف غامض والبوصلة ضائعة. فماذا تعلّمنا بعد أن اقتتنا على أشهى أحلامنا؟ لا الرقّة لأهلها ولا عفرين لأهلها، والغوطة وحلب ودرعا اغتربت في مكانها، وتخندقنا في مواقفنا حتى غبنا عن سطح الأرض.
كان هدفنا أن نجعل من هذه الأرض وطناً. والوطن ليس خبز التنّور ولا قهوة الصباح ولا كل هذه الرومانسيات على جمالها، ولكنه المكان الذي يملك فيه أهله حقوقاً متساوية، بغض النظر عن دينهم ودخلهم وعرقهم وجنسهم، وحكومة منهم تعمل لخدمتهم وتحت رقابتهم. الوطن ليس الهمسات في الحارات القديمة تحت ضوء القمر، ولا الطعام الشهي ولا كؤوس الشاي، الوطن عقد واتفاق يربط سكّانه ببعضهم. نحن كسوريين لم نعش هذه التجربة التي تدعى وطن يوماً، هي فكرة في مخيلتنا، حملناها وسعينا لها في طريقٍ كان أشقّ وأطول من أسوأ كوابيسنا، ولكن المحزن حقاً، أننا تركنا من يخرج من بيننا ليقتل هذه الفكرة ويفرض ما يريد، بالسلاح والايديولوجيا العفنة والتطرّف.
لسنا أول المظلومين ولا آخرهم. الحياة لا تقف عند أحد، لم تقف عند رحيل غياث مطر أو يحيى شربجي، لم تقف عند اختطاف رزان زيتونة أو سميرة الخليل، ولا في تهجير أهل حمص ولا حلب، ولن تقف لا في شمال سوريا ولا جنوبها. الحياة ستمضي وتكمل طريقها معنا أو بدوننا، غير مكترثة بميزان الحق والباطل، أو بالضحايا أو المخطوفين. البشر هم من يحملون الميزان، وهم من يناضلون لأجل قضاياهم. إذا كان لهذه القصة بقية، فنحن من يكتبها، وعندما نروي قصة أحلامنا، ونعيد هتافات ضحايانا، ونطالب بمعرفة مصير معتقلينا ومخطوفينا، فكل هذا لأننا لا نريد أن تمضي الحياة بدوننا، وبدون العدالة لمن أحببنا وشاركنا الحلم وقدّم له كل شيء.
لنسأل أنفسنا: كيف سنمضي في هذه الحياة نحن السوريين داخل بلادنا وخارجها؟ أمامنا خياران لا ثالث لهما: إما أن نكمل الرحلة الشاقة فرادى، أو نكملها كمجموعة؟ إمّا أن نبصم على أوراق فنائنا، أو أن نوقن بأنه لا بدّ لنهرنا من أن يشقّ مجراه في هذا الصخر. وإذا كانت الثانية، فالبداية تكون بألّا ننسى مطالبنا ولا نساوم على أيٍّ من مبادئنا. لم يعد هناك ما نخسره، لنقل بوضوح عن الميليشيات التي اعتقلت وعذبت من الناشطين ما استطاعت واختبأت خلف علم الثورة كي نصحح مجرى تاريخنا، لنذكر مخطوفي دوما وكيف كانوا رمزاً للغدر بالثورة وأهلها واغتيالها من الداخل، ولنعمل على الوقوف على أرجلنا أينما كنّا، ليعلم من حولنا أننا ما زلنا هنا، وليعلم طاغيتنا أننا كالشمس تطلع بشغف الوجود كل صباح.
تمزّقنا بين سجينٍ، وبين مُبحرٍ تلفظه المرافئ، ولكن كعناد الموج، كلّما تكسّر عاد محاولاً، يوقن أن الشواطئ امتداد البحرِ لا الرّمال.
تعبتِ، ولا جدار تستندين عليه، فاجمعي ما تناثر من أحلامك، وحدها تبقيكِ عندما يسعى الجمعُ لإفنائك.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى