مقالات رأي

عن صناع الفجر الآتي / علي العبدلله

عن صناع الفجر الآتي

رزان وسميرة ووائل وناظم

10455762_785265321551818_8921004644236748139_n

رزان وسميرة

 لم تستطع حالة الحصار ان تقضي على البسمة، الضحكة المجلجلة، سميرة تطبخ ورزان، التي لا تجيد الطبخ، تصدر الأوامر تريد اكلة شهية ومغذية، الطبخ على الحطب لا يجعل الامور سهلة لكن الضحكات والتعليقات تتتالى، والصياح الجذل يعلو: استوت الطبخة ناقصها بصل، لا منيحة لا تنسي وين نحنا، منيح عم تزبط، كلي وسكتي. يمشي حال الفول بلا نقع… يمشي بس يطوّل عالنار ومنين بدك تلحقي حطب. انقعيه واختصري الهم… ضحكات ووداع على رائحة الطبخة.

 غزالتان على المرج فاجأهما الوحش لكنهما لن تكونا سهلتان عليه وكما في ليلى والذئب ستخرجان من احشائه مكللتين بالغار، سميرة رزان في انتظار اسئلتكما الليلية عن طبخة لم نطبخها بعد، عودا سريعا فالنار اوقدت والجياع في الانتظار.

رزان

لست هنا وانفجر المذياع بنبأ اختطافك، اي زلزال حل بالكرة الارضية، لست هنا وما الحزن الا ان لا تكوني هنا، لست هنا انه سر اللقاء والنحيب، لست هنا سأبقى لأتلقى رسائلك، همسات صوتك تحملها رياح آتية من بعيد وتسكبها في قلبي التعب فيرقص فرحا وسرورا بعد ان عرف انك ستعودين الينا، ها انا ذا على شرفة الدار انتظر قدومك، عودي الينا قبل ان ينفذ أمل زرعته فينا وينطفئ شوقنا لبلوغه وتجف كلمات وعودك على شفاهنا اليابسة، ارجوك عودي الينا ومعك بسمتك وكل الرفاق الذين غادرونا دون استئذان او ترك عنوان، عودي مع سميرة ووائل وناظم ومازن وخليل معتوق ومحمد ظاظا، ولا تنسي ان تحضري معك فايق ومازن وطل الملوحي وكل الرفاق ونجمة الصبح البهية.

رزان وسميرة ووائل وناظم

مر يومان على الفراق، يومان لم تضئ علامة حضورك/ حضوركم على قائمة السكايب، مر يومان على الضياع، يومان لم استطع ان اتحدث اليك/اليكم عن أوضاعكم، عن الجديد في أحوالكم، وما اذا كان جد جديد في رسالة التهديد والوعيد. يومان لم اعرف ما اعدت سميرة مع ابتسامتها الأخاذة طعاما تتحلقون حوله، ترى اين اخذكم “صاحب الزمان” الذي لم يستطع ان يتقبل حضوركم على الخطوط الاولى للموت/ للحياة، اكنتم بالنسبة له رجس من عمل الشيطان، ام روح تشيع المحبة والاخاء في البلدة، أم تحد لسلطانه، ألذلك ارسل رجاله في عتمة جليدية كي لا  ترسموا  بسمة في وجوه المارة وتنشروا طيبا على عتبة الدار يشير الى حضوركم رغم الغياب، وتطلقوا صرخات التحدي وانتم راحلون، ام كي لا يرى العابرون ذلهم وهم يسورون ايديكم… ارادتكم بحديدهم. أي نصر هذا دون رفع شارات النصر وتلويح ايادي. احقا رأى فيكم تحديا لجبروته ولم يستطع نوما لان ارواحكم اجسادكم ابتساماتكم ضحكاتكم وحضوركم البهي كلما كشر الموت وهيمن الخوف على وجوه الرجال يقلق منامه، اهي اقلامكم التي ترصد ما يجري هي سبب نفوره، فهو لا يريد ان يعرف العالم بما يجري في حديقته والجوار.

لم تظهر علامة حضورك/ حضوركم على السكايب ولا وشوشة بليل تقول اين انتم الآن وهل سمح لكم بالبقاء معا ام فرق بينكم لان الاختلاط بين الجنسين بعُرفه حرام، هل سمح لكم بالابتسام في وجه الخوف، هل قدم لكم طعاما وأوقد نارا في هذا اليوم البارد ام اعتبره نافلة مع شذاذ لم يسمعوا الكلام ولم يخضعوا للتهديد والوعيد.

مازلنا، كل الاصدقاء والأحباب، ننتظر عصفورة تزقزق على نوافذنا تحمل خبرا منكم يخبرنا كم انكم شامخون وكبرياءكم كما عهدناه لم يتوار رغم الموت المعلق بين شفتي جلاد لم يكتف بكسر كرامة الانسان بل ذهب بعيدا في تحطيم روحه وتمزيق جسده، ويخبرنا كيف واجهتم الجلاد بحبكم الكبير لشعبكم لوطنكم للإنسان المتشوق لعالم افضل عالم ترفرف عليه رايات الحرية وتغطيه خيمة الكرامة.

وائل وناظم

في عتمة الليل وقد غطى السواد لون الثلج الابيض الذي غمر الارض والبيوت والأشجار انفتحت كوة صغيرة يغمرها نور باهت انطلق منها شريط صور. صور كثيرة، صور شباب وصبايا، رجال ونساء، لم نعرف اخبار معظمهم منذ اختطفهم الجلاد…  يحيى الشربجي …. مازن درويش …. عبدالرحمن حماده.. الاب باولو يحتضن فراس الحاج صالح كي يمنح بعض الدفء لجسده البارد … عبدالله ماضي، واسماعيل الحامض يحدث جاره عن خطر المرض الذي ألم به،  المطرانان يطلقان بخور المحبة في عتمة قبو لا تظهر ابعاده كي يسكّنوا خوف عشرات قبعوا في الزوايا… عبدالعزيز الهايس يحتض عوده وصبحي الجاسم بجواره يغني للحرية والخلاص، علي مصطفى وفايق المير يتبادلان الحديث عن الوضع في مصياف وطرطوس، خليل معتوق يتحدث الى محمد ظاظا عن القانون والحرية وعبدالله خليل يجادل في ضرورة المجالس المحلية لحل المشكلات وتقديم خدمات للناس في المناطق المحررة… عبدالعزيز الخير يشرح لقابع في الظل كيف يتقي امراض المعتقل، وكبرئيل كورية يعلم جاره اللغة الاشورية. صور تتحرك وشخوص تتحدث مع بعضها ومع آخرين لا يظهرون بوضوح..  وفي الخلفية صور شهداء تمر عجلى حمزة الخطيب بجرحه الفاغر وغياث مطر بابتسامته الحلوة يوزع الماء وأغصان الزيتون على جنود وجوههم جامدة خشية ان تنطلق بسمة تعاطف فيعاقبهم الجلاد الاكبر… ابو عبدو الشيخ، عجوز قطنا الذي مات تحت الضرب وهو يرد على سؤال المحقق شو بدكم… بدنا نسقط النظام. صور عجلى عشرات الوجوه المألوفة وغير المألوفة عرب اكراد اشوريون سريان، مسلمون من كل الطوائف….  جنود يسبحون بدمائهم بعد تلقيهم طلقة في الرأس لأنهم “يبّسوا رؤوسهم ورفضوا اطلاق النار على المتظاهرين”… وقبل ان ينبلج الصبح ويطغى نوره على المكان ظهرت صورة الثنائي المتوحّد من سنين وائل حماده بفتوره الساحر وناظم حمادي بشغفه الماجن.. حديث وتحريك أيدي سألته: شو في…  ليش مستفز… قال ما عم يتركني كفي القصيدة… طلعت معي قصيدة قوية عن ثورتنا عن حالتنا عن بطولة اطفال درعا ورجال الغوطة، عن بنات الشام والدير، عن حماة وحمص عن اهلنا بكل سوريا من القامشلي للسويدا… شهدا دفناهم وشهدا احياء ما عرفنا مصيرهم لسه وين اخذوهم شو عملو فيهم ما عرفنا بعد، كلهم وثقنا اسماءهم وعنا صور بعضهم، عم يلحوا علّي اذكرهم بالقصيدة حتى ما ننساهم ويضيعوا مثل ما ضاعت اسماء شهدا ماتو بالمعتقلات وما عرفنا عنهم شي.

اكتب صديقي اكتب ولا تنسى ان تضع اسمك بينهم واسماء وائل ورزان وسميرة، وكل الاحبة المنتظرين بين صوت الطلقة وكلمات في خبر، بين الحلم واليقظة، بين حلاوة النصر ومرارة النكبة، اكتب وأنت تنتظر قرار جلادك المعلوم المجهول فكل الجلادين سواء من قتل اولادنا ونساءنا، شبابنا وشيوخنا، الصبايا الجميلات والفتيات الواعدات، من حرق اجسادهم بالفسفور او البنزين، من أزهق ارواحهم بالبراميل المتفجرة او بالكيماوي، بالسكين او بالساطور.. باسم وطن زيّفه او  باسم دين تلبّسه، انتقاما للحسين او شماتة بفاطمة…  كلهم يكره فينا الانسان الذي اردنا ان نكونه…  انسان حر في بلد حر.

عجوز حقود

لم تكف جريمة الخطف لتتحرر بعض العقول من هوسها بذواتها وسخفها وترعوي بل تمادت اكثر. عجوز من المعارضة لم ير في عملية الخطف جريمة بل بررها بقوله: “الي يسكن بمنطقة لازم يلتزم بتقاليد اهلها وأعرافهم” وكأن جريمة الخطف تمت لان الشباب قد اساءوا الادب وخرقوا التقاليد والاعراف.

شيخ وقح

في مؤتمر صحفي استهجن زهران علوش، قائد جيش الاسلام، ان يسأله احد الحضور عن رزان زيتونة فرد مستنكرا لماذا لا تسألون الا عن رزان، لماذا لا تسألون عن نساء المسلمين عند النظام؟. وكأنه لا يدري لماذا، ولا يدرك ان السائل يسأله عما فعله بأربعة من صناع الفجر الآتي.

عام والجريمة مستمرة

مر عام طويل ولم تعودوا، مر عام ثقيل ولم نسمع خبرا عنكم، أو نرى صورة يعرضها الجناة تدل عن مكانكم، عام كئيب مر وانتم في زاوية ارادها الجلاد مكانا لمسح حضوركم، دوركم، ذكركم، عله يسيطر في غيابكم ويملأ المكان برجاله بوجوههم القبيحة ويفرش الساح براياته المعتمة. لكن سنونوة حلقت تنشد بصوت رخيم، يشبه ارواحكم الحلوة، لن تقدروا منع الفجر من البزوغ والشمس من الشروق والبلابل من التغريد والورود من نشر شذاها في الفضاء، ولن تنجحوا بتغييب رزان وسميرة ووائل وناظم، ولن تستطيعوا مسحهم من ذاكرة الناس، ولا قتل البذور التي بذروها والارض التي سقوها، والزرع الذي رعوه، باقون في الضمائر الحية، باقون في الصبايا والشباب الحالمين بالحرية، باقون في النساء والرجال الذين ينشدون الكرامة، في كل هؤلاء باقون … باقون … باقون.

 (عن جدنا الأول جاء في الامثال واوي بلع منجل، كل ما تجمعه الريح تذروه العواصف ومن يسرق حق الغير يبقى ابد الدهر خائف – توفيق زياد)

علي العبدالله

كاتب وناشط سياسي سوري

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى