ثقافة

«سورية: الدولة المتوحشة» لميشيل سورا بالعربية بعد 31 عامًا على اغتياله

طلعنا عالحرية – غسان ناصر

بعد واحد وثلاثين عامًا على اغتياله، على يد عصابات (منظمة الجهاد الإسلامي) التي عرفت لاحقًا باسم “(حزب الله)، والتي كانت حينها الذراع الخفي للنظامين السوري والإيراني في المنطقة، صدرت عن “الشبكة العربية للأبحاث والنشر” في بيروت، الترجمة العربية لكتاب «سورية: الدولة المتوحشة» للباحث والمستعرب الفرنسي ميشيل سورا (1947-1986)، بترجمة حققها مارك بيالو وأمل سارة، وتقديم جيل كيبل والمفكر السوري برهان غليون.

اللافت أنّ الكتاب _الذي يعدّ مرجعًا أساســـيًا لــدراســـة أصـول دولة الأسديين (الأب والإبن)_ كان سيصدر عن إحدى دور النشر اللبنانية العام 2005، لكن سرعان ما أُوقف نشره من القيمين على المخطوط باللغة الفرنسية، بسبب الرقابة التي ستمارسها دار النشر على مضامينه وعنوانه، خشية من النظام الأسدي، الذي يقف وراء مقتل الكاتب الفرنسي وهو في الثامنة والثلاثين من عمره.

الكتاب هو تجميع لمقالات “سورا” التي كان ينشرها في الصحف والدوريات، ويضع فيها خلاصة دراساته الميدانية وتحليلاته عن سورية، وعن المنطقة والأزمات التي مرت بها نهاية السبعينات وبداية الثمانينات.

وسمّ الكتاب بعنوان أكثر مقالاته شهرةً والتي حلّل فيها تصرّفات النظام البعثي العلوي الأسدي في سورية (نشرت سنة 1983 في صحيفة Esprit).

  • حافظ الأسد.. “درجة صفر من السياسة”

كتاب “سورا” صدر باللغة الفرنسية لأوّل مرّة قبل واحد وثلاثين عامًا (بعد وفاته) تحت عنوان: Syrie L’Etat de Barbarie (سورية الدولة البربرية)، وفي عام 2012 قررت مجموعة من المثقفين الفرنسيين المساندين للشعب السوري وللثورة السورية إصدار طبعة جديدة للكتاب لأهميته الكبيرة جدًا في فهم ما يجري من أحداث؛ فصدرت الطبعة الثانية عن دار “المنشورات الجامعية الفرنسية”.

يتحدث “سورا” في الفصل الأول عن سورية ما بين عامي (1979 و1982)، وفيه يبدأ “بنقد موقف الغرب السلبي مما حدث في مدينة حماة تحديدًا رغم علمه بما كانت تقترف يدا الرئيس حافظ الأسد. مشيرًا إلى جهل الغرب الكبير بالوفرة السياسية والاجتماعية لما يحدث في الشرق، ثم إلى دهاء الأسد في اللعب على الكل ومع الكل. ثم يتساءل عن “تلك البَحبوحة التي يتحرك بها النظام في مجاله السياسي الإقليمي”، فيقول إنّ ذلك دليل على وجود “درجة صفر من السياسة”. مبينًا كيف أنّ الأسد الأب “كان يتحاور مع الجميع في آن واحد: مع الإسلاميين التقدميين التابعين لكمال جنبلاط باسم (التقدمية العربية)، ومع ياسر عرفات لصالح (القضية)، ومع الكتائب اللبنانية على أساس التعاضد الضِمني بين الأقليات.. قبل أن يضربهم على حين غَرَّة وبقوة، كل على حسب قَدْره وفي وقته. وفي الوقت نفسه عزز علاقته مع السوفييت وأعاد فتح القنوات مع الأمريكان -إثر زيارة نيكسون إلى دمشق سنة 1974-، واستمر في مد يده لإيران باسم الطائفية الشيعية، ويد متسولة للبترودولار الخليجي السني باسم الصمود والتصدي.”

  • وحشية الدولة السورية..

نقرأ من عناوين فصول الكتاب: “الدولة المتوحشة: سورية بين سنتي 1979 و1982″، “إرهاب الدولة أم إرهاب ضد الدولة: الحالة السورية”، “المجتمع السوري ضد دولته”، “الفِرق والطوائف والمجتمع في سورية”، “المعطيات السورية عن الأصولية الإسلامية”، وغيرها من العناوين الدالة على “وحشية الدولة”.

في كل هذه الفصول استطاع “سورا”، بحسب محللين سياسيين، تعرية الخطاب السلطوي السوري لرؤيته بوضوح، سابقًا، بأشواط، الكثير من نظرائه العرب والأجانب، لا سيما اليساريين النضاليين منهم، أو القوميين، أو الأمميين. مثلًا، يفند، بالتفاصيل السردية والوقائع، كيف أنّ ديبلوماسية الإرهاب (محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني مضر بدران عام 1981) ساهمت في عزلة عربية وإقليمية للنظام السوري، و”ما عادت الدولة البعثية تستطيع الاعتماد على التراث المصري الطويل في الحكومة المركزية، أو على نظام تقليدي من التبعية كالنموذج الهاشمي، فقررت أن تبرر وجودها بادعائها الدفاع عن شرف الأمة العربية بأكملها في مواجهة الصهيونية والإمبريالية”. و”هكذا، أصبحت الوصيّ الأسوأ على القضية الفلسطينية”.

  • خفايا عهد الأسد الأب الطائفي بامتياز..

يفرد ميشيل سورا صفحات من الكتاب للحديث عن الجيش السوري، الذي هو المكان المفضل للعلويين لممارسة “عصبيتهم” وإبراز بطولاتهم ليس “في أرض المعركة وأمام الأعداء ممن يهددون مستقبل الأمة بل في سَحْقِ المجتمعِ المدنيِّ”.

مبرزًا كيف قام “المماليك الجدد” (اللقب الذي يطلقه “سورا” على الطبقة الحاكمة العلوية) بشق الجيش طائفيًا، ففي “سورية اليوم جيشان؛ أحدهما سجين الآخر”؛ وكيف قاموا في سبيل تثبيت قبضتهم على هذا الجهاز “بتصفية أقطابه الواحد تلو الآخر: سنة 1965 جماعة محمد عمران (علوي) وسنة 1968 جماعة الضباط السُّنَة في حوران، وآخرهم كانت جماعة العلي (علويون) التي فُكِّكت في منتصف السبعينيات وتعرض أعضاؤها إما للإبعاد (علي الحسين وعلي الصالح) أو تم ضمهم مباشرة للسلطة (علي حيدر وعلي دوبا)”.

كما يقدّم لنا “سورا” في متن الكتاب الكثير من الوقائع والتفاصيل المهمة من تاريخ سورية الحديث إبّان حكم حافظ الأسد، من ذلك على سبيل الذكر لا الحصر، مؤتمر حزب البعث عام 1979 ودور رفعت الأسد فيه، خُطب حافظ الأسد أثناء الصراع مع حركة الاخوان المسلمين وتصريحات أركان النظام وقتها، نسب مشاركة السكان في انتخابات مجلس الشعب، وهي لم تتجاوز 4% في 1977 و1982، القبول الاستثنائي لطلاب في كليات لا تؤهلهم درجاتهم الوصول إليها بسبب حملهم السلاح دفاعًا عن النظام، وتبرير الأســـد الأب ذلك بقوله: إنّهم “يتصدون لمؤامرات الإمبريالية والرجعية، وليس لديهم الوقت الكافـــي للدراسة”، كلفة بناء «قصر الشعب» الذي يعلو دمشق التي بلغت نحو بليوني ليرة سورية (ما يقارب ال450 مليون دولار أميركي بأسعار صرف تلك الأيام)، وموازنة وزارة الإعـلام التي تتجــــاوز بعشـــرين ضعفًا موازنة التـــربية، ودور النقابات المهنية (التي جرى حلها لاحقًا عقابًا على بياناتها الداعية إلى حكم القانون والديموقراطية)، واحتجاجات عمالية ومعارضة يسارية وقومية ونشاط طالبي في الجامعة، وتحدث أيضًا عن “ترييف الدولة” وحقد الريف على المدينة، واستعصاء دمشق على العلويين الصاعدين في الحكم، والذين حملوا ضغينة قديمة على مدينة حماة حيث كانوا فلاحين مضطهدين ومستغلين طوال قرون من قبل كبار الملّاك المدينيين السنّة. ثم طريقة “علوَنة” الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية. وفي موازاة ذلك، سرد كيف ولماذا يرى النظام السوري كـ”دولة عنف”، ولا يعتبره نظامًا شموليًا، إذ لم تمتلك المنظومة الأسدية كامل الأدوات الشمولية. وغير ذلك الكثير من الوقائع والقصص والمرويات الموثقة بالكثير من المعطيات.

  • تفاصيل المجازر الأسدية..

يغطي الكتاب كذلك الوقائع الداميّة لموجة الصراع السابقة، من ذلك مجزرة مدرسة المدفعية التي أوقعت 83 من الطلاب الضباط العلويين على يد عسكريين إسلاميين (من الطائفة السنية) في حزيران/ يونيو 1979. ويكشف المؤلف أيضًا تفاصيل مجازر جسر الشغور وحلب وتدمر، التي يقول إنّ الضحايا فيها كانوا بين 500 و700 ضحية، غير أنّه يلفت نظرنا إلى تقرير أمني مسرب عن المجزرة، يذكر أنّه جرى حذف 1181 اسمًا من قيود السجن بعد المجزرة.

كما يسلط “سورا” الضوء على مجزرة مبكرة جرت في حماة في مطلع أيّار/ مايو 1981، والتي وقع ضحيتها بين 200 و500 ضحية، رميًا بالرصاص أو عبر إعدامات جماعية في الشوارع، وذبح أناس في بيوتهم. ليأتي على ذكر تفاصيل مرعبة عن مجزرة حماة الكبرى في شباط/ فبراير 1982، والتي يورد في شأنها مرتين تقديرات لعدد القتلى تتراوح بين 7000 و15000، لكنه في سياق آخر يذكر أنّ تقريرًا لـ(منظمة العفو الدولية)، صدر في خريف 1983 يقدر عدد الضحايا ما بين 10 و25 ألفًا.

 كذلك يوفر الكتاب معطيات دالة على تنامي التمركز الأمني للنظام وقتها.

من أبرز استخلاصات ميشيل سورا في كتاباته الجريئة، أنّ حافظ الأسد تمكن من استئصال النظامَ السياسي السوري فجعل من سورية اجتماعيًا وسياسيًا أرضًا ملساء أو صحراء، بتعبير المنظرة السياسية حنة أرندت، ليس فيها حراك سياسي ولا بناء اجتماعي، فعاد بالسلطة من المُلك السياسيّ (وهي السيطرة القانونية) إلى السلطة البدائية أو “الطبيعية” حيث السيطرة للعنف المطلق “القائم على أشكال حكم ذات تبعية ما قبل السياسية: الدولة-القبيلة، الدولة-الطائفة”.

  • الاغتيال.. ضريبة الكلمة الحُرة

ولد ميشيل سورا في تونس لأبوين فرنسيين عام 1947 وبقي فيها لحين أحداث 1961، حيث شكّل القصف الفرنسي والهجرة السريعة القسريّة عن تونس صدمة قوية عنده، حاول استعادتها بعد ذلك خلال عمله في لبنان وسورية.

بعد انتهاء دراساته الجامعية في ليون عام 1971 اختار “سورا” العيش في بيروت التي حطّ رحاله فيها سنتذاك، حيث زار المخيّمات الفلسطينية، ليتنقّل بعد ذلك بين بيروت ودمشق وباريس، وليتعرّف أكثر على المشهد السوري السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي تناوله لاحقًا في كتاباته بمنهجية علمية تحليلية.

رجع إلى بيروت عام 1980 ضمن مشروع علمي فرنسي، وبقي فيها ورفض مغادرة (بيروت الغربية) إبّان الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982.

في 22 آذار/ مارس 1985 تم خطفه خارج مطار بيروت بعد عودته من باريس برفقة مواطنه الصحافي جان ميشيل كوفمان. وقد بلغ عدد المخطوفين الفرنسيين خلال الحرب اللبنانية أكثر من خمسة رهائن – ميشيل سورا الوحيد الذي تم إعدامه – وكان الخاطف واحد، هو (منظمة الجهاد الإسلامي) التي عرفت لاحقًا باسم (حزب الله).

في الخامس من آذار/ مارس 1986، أعلنت الجهة الخاطفة إعدام الرهينة “الجاسوس” ميشيل سورا… ولم يتم الكشف عن جثمانه حتى تشرين أول/ أكتوبر 2005 وتم تسليم الرفات إلى الحكومة الفرنسية في آذار/ مارس 2006 أي بعد أكثر من ستة أشهر على الكشف على الجثة!

كل من عرف “سورا” عن قرب يعرف أنّ ادّعاء القتلة باطل، فقد عرف عن الشاب الفرنسي تحمسه للقضية الفلسطينية حدّ الانخراط فيها، وعمله الدؤوب على تفكيك الديناميات الاجتماعية والسياسية في المجتمعين اللبناني والسوري، حيث عاش وتزوج السورية ماري معمارباشي، وعقد صداقات كثيرة، في أحلك أيام البلدين: ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، وقاع القمع الذي ثبّت به النظام الأسدي حكمه لسورية.

يتحدث جان بول كوفمان، صديق “سورا” ورفيق زنزانته اللبنانية طوال ثمانية أشهر، في فيلم حققه المخرج السوري الراحل عمر أميرالاي عام 1996، بعنوان “في يوم عنف عادي، صديقي ميشيل سورا..”، يقول “كوفمان”: “احتاج ميشيل إلى وقت طويل قبل أن يتخلص من فكرة أنّ كل ما لحق به كان مجرد سوء تفاهم. غالبًا ما كان يقول: هذا مستحيل، أنا أعرفهم وأعيش بينهم، مستحيل أن يكون هؤلاء لبنانيين. كان يعرف جيدًا أنّهم لبنانيون من لهجتهم، لا شك في ذلك. لكن تفريطهم في لبنانيتهم، كما كان يقول، هو أمر لا يمكن تخيّله من وجهة نظره. وحين اكتشف حقيقة خاطفيه، آلمه ذلك كثيرًا. فوَعيُه عن لبنان والشرق انقلب رأسًا على عقب، واهتزت أفكاره وتحليلاته. لم يعد “سورا” كما هو لأنّه فَقَد كل أوهامه”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى