ثقافة

رياض شيّا يغادرنا في منفاه الباريسي تاركًا لنا قصيدته السينمائية

رياض شيّا، ومن قبل نبيل المالح، نذير نبعة، حسين العودات، جورج طرابيشي، ياسين رفاعية، ومطاع الصفدي، مفكرون ومبدعون سوريون غادرونا في اللحظة المعادية للفكر والإبداع والإنسانية، لحظة الدم وقتل الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد، لحظة ما قبل الخلاص السوري.

رياض شيّا (1954 – محافظة السويداء بجنوب سوريا)، مخرج فيلم “اللجاة”، ظلمته بلاده مبدعًا، وظلمه المنفى القسري لسنوات طوال. وقد كان رحيله يوم الاثنين (13/6) في أحد مستشفيات باريس، بعد صراع طويل مع سرطان الحنجرة، صدمة لأهله ومحبيه من المثقفين والمبدعين السوريين الذين زادهم رحيله المبكر ألمًا ولوعة.

الشاعرة السورية هالا محمد نعته قائلة: “وداعًا رياض شيّا … دخلت بيتكم في السويداء مرارًا لدى تحضير الكثير من الأفلام ونمت عندكم وأكلت من بين يدي والدتك. كان بيتكم بمثابة شجرة هناك. شجرة العابر تحت قرص الشمس الحارقةْ. شجرة السينما السورية في السويداء. العزاء للسينما السورية. العزاء لسوريا.. ذاكرة رهيبة نفخر بها تحملنا على ظهرها.. لننجو، نهوي واحدًا تلو الآخر.. تلو الآخر.. تلو الآخر..”.

فيما قال الممثل الشاب رمزي شقير: “رياض شيّا، لم نحتف بفلمك الوحيد، فقط شاهدناه، ولم نسأل عنك وأنت مرهق بألم الحنجرة، قلائل – لم يتجاوزوا أصابع اليد الواحدة – سألوا عن أخبارك، إمرأة عظيمة واحدة حملتك وتحملتك (أيرين لابيري) الجميلة. يحق لك أن تكون كما كنت، فيلمًا وحيد لتكشفنا، صخورا عراة لا ننفع. استفق قليلا لتقرأ على صفحات التواصل نعواتنا لك، لو اهتممنا بك كما الآن لانتصرنا وأخرنا موتك لسنوات..”.

بدوره قال المخرج السينمائي أسامة محمد: “رياض شيّا ..كم من الساعات والسنين حبستَ أنفاسكَ ولونتَها بالتأمل والتأمل والتأمل. ألهذا كنت بين صمت وصمت تطلق ذاك الزفير المديد المديد.. وسع “اللجاة”..

“اللجاة”.. موسكو معهد السينما. لمستك الرقيقة على الكتف تسبق كلامك حين تنوي الكلام. تُودِعُ صمتكَ على الكتف وتبوح.. تشير لي نحو اللقطة الواسعة لشجرة في “نجوم النهار”.. هي لقطتك أنت في فيلم يحمل اسمي.. أخبؤها لك فيه. لم يكن فيك ما يكفي من عنف لتعبر حواجز مؤسسة السينما نحو اللجاة.. فأعرتك ما لدي منه، رددت لك الشجرة.. عنفًا. “اللجاة” شهيقك العميق وزفيرك العميق.. جمال. لم يكن فيك ما يكفي من القسوة لتعبر ممرات الظلم.. نحو فيلم آخر.

بين فيلمين.. نشيخ.. أصبحُ أصلعًا وتشيب.. نتباعد ونتلاقي تخبئ بيتًا من الشعر ترسله من رؤوس أناملك وابتسامة، اسمع: (ولو أنَّها نفسٌ تموتُ جميعَها ولكنّها نفسٌ تساقطُ أَنفُسا).

وتنظر في عينيّ من على سطح في حيّ المهاجرين، “المهاجرون” هو الفيلم الذي حاولت يومها أن أورطّك به.. لم أكن أرى منه إلا الكلمة”.

التغريد خارج سرب سينما النظام..

“اللجاة” (من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بدمشق – 1993- وحاز جائزة مهرجان دمشق السينمائي في دورته التاسعة)، هو الفيلم اليتيم للراحل رياض شيّا، وتدور أحداثه في منطقة اللجاة ذات الطبيعة الصخرية البازلتية في الجنوب السوري حيث قساوة الأرض والطبيعة، تقابلها قساوة التقاليد والعادات والحياة في تلك المنطقة، عبر قصة حب تدور بين فتاة وأستاذ مدرسة، مقابل عم الفتاة الذي يحاول الوقوف إلى جانبهما، غير أن وقوفه هذا، لا يجنبهما قسوة العادات والتقاليد والموت.

القصـــة التي تبدو للبعض بسيطة ومكررة وعادية في عموميتها، جعل منها رياض شيّا قصيدة شعرية سينمائية خاصة. خاصة أن المكان بغرابته وقسوته وبالتالي بشاعرية مدهشة طغت عليه، حولت الفيلم إلى بطل رئيسي تمامًا كما كانت حال لغة السكون والسكينة والجمود الأزلي التي بدت مسيطرة على الفيلم من أوله إلى آخره.

ومن المؤكد أن “اللجاة” انطلاقًا من هذه العناصر المتضافرة بدا مغردًا خارج سرب السينما السورية الرسمية، التي كانت ولا زالت خاضعة لسلطة نظام الأسد بكل ما قدمته، وبالتالي إذا كان هذا قد شكل نقاط القوة في فيلم استثنائي، فإنه شكل أيضًا نقطة الضعف بالنسبة إلى جمهور لم يكن قد تعوّد بعد على التفاعل مع سينما يمكن، بعد كل شيء تسميتها “سينما الأقاليم”، أي تلك السينما التي اعتادت ألا تتجاوز فيلموغرافيتها الفيلم الواحد.

ويرى الناقد السينمائي السوري محمد عبيدو، أنه “شاءت عبثية ويأس الحياة السورية أن يخرج (رياض) فيلمًا يتيمًا واحدًا، فكان “اللجاة” الذي تميز في لغته وطموحه السينمائي وأسلوب سرده الحديث الذي اعتمد اللغة البصرية في التعبير عن أفكاره محولًا نثرية رواية “معراج الموت” لممدوح عزام إلى قصيدة شعر سينمائية”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى