قضايا المرأة

رهف وأخواتها

الصورة عن رويترز

آلاء عوض

“حين أرى شاباً يحمل طفلة رضيعة بين ذراعيه، ويقدّم لها الطعام في حديقة خلال ساعات الدوام المكتبي أبتسم وأشعر برغبة في سؤال زوجته بالهمس في أذنها: أخبريني أيتها المحظوظة، هل تعرفين لماذا يمكنك حضور اجتماع بينما زوجك يتولى الاهتمام بالطفل؟ الفضل في ذلك يعود إلى كل امرأة ناضلت قبلكِ، إلى أمكِ التي تعرضت للضرب بالهراوى في الشارع يوم الثامن من مارس على يد شرطة الديكتاتورية، وإلى جدتك التي أيدت الداعيات لحق الاقتراع، إلى العاملات الأمريكيات اللاتي رفضن العمل واقفات في مصنع، إلى (سيمون دي بوفوار)، إلى (دوريس ليسنج)، إلى (مارلين فرنتش)، وباختصار، بفضل آلاف وآلاف أخريات”.

بهذه الكلمات تستهلّ الكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو حديثها على لسان إحدى شخصيات روايتها (عشر نساء) وهي شخصية (سيمونا).

وعبر شخصية (سيمونا) وهي ناشطة نسوية يسارية تتّحدر من أسرة برجوازية تشيلية، عمِلت طويلاً في قضايا المساواة بين الرجل والمرأة، تتطرق الكاتبة لكثيرٍ من المشكلات التي تواجه المرأة بسبب نوعها الاجتماعي ليس إلا؛ ففي الفصل ذاته وأثناء حديث (سيمونا) عن حياتها الزوجية تتساءل: “وكمناضلة نسوية كانت ترعبني ملاحظة كيف ينحدر اعتزازي الذاتي. وكنت أقول لنفسي: إذا كان هذا يحدث لي أنا، فما الذي يحدث للأخريات”. مع التأكيد على أن (سيمونا) امرأة متعلمة وعاملة ومستقلة مادياً.

ذكرت قضية هروب (رهف القنون)، ومن بعدها الفتاتين (ريم وروان) من السعودية، بجراحنا كنساء عربيات، وتخصيص العربيات هنا ليس محضاً؛ ذلكَ أن المرأة في العديد من بلدان العالم لمّا تصل بعد لمرحلة (الاعتزاز الذاتي) الذي عنته (مارثيلا).

الموضوع متشعب فالنساء في السعودية وفي العالم العربي لسن كلهن مع (الهاربات) المتمرّدات، ومردّه سببان: أن المرأة المتآكلة الحريات استطاعت أن تجد لها منافذَ أخرى تمكّنها من الاستمرارية دون الوصول إلى ما وصلت إليه رهف من (فضيحة ومخاطر)، وهو -مع الأسف- الطريق السهل الذي كان خياراً للكثير من نسائنا (المنطقة العربية)، والسبب الثاني هو أن قسماً من المرشدات النسويات وصلن لليأس، وقسماً آخر يعانين من فهم خاطئ وقاصر للحرية، وبالتالي فإن تأثيرهن في مثل هذه الحالات يساوي الصفر.

لا شك أن حرية المرأة في العالم ليست خيارها وحسب، فهي مرتبطة بتوجهات دولية وسياسية تدرك أن تحرر المرأة سيقود إلى تغيير جذري في المجتمعات، لذا فإن التحركات الفردية من الصعب أن تترك أثراً.

نحن أمام تحدٍّ حقيقي لإخراج المرأة من الظلام وإيصالها إلى برّ الحريات المسؤولة، فالسعودية حالياً وعلى الرغم من التبدلات الطفيفة في التعاطي مع الحريات بشكل عام والمرأة وقضاياها بشكل خاص، إلا أنها جمعاً لم تحاكي بعد جوهر المشكلة (تجهيل المرأة) ويمكن تشبيهها بالمسكنات أو الضرورات التي لا بد من إحداثها في بينة المجتمع بما يتواءم مع السياسات الجديدة.

فالمرأة في السعودية تحتل في أدبيات الصورة السيئة القاع، وخلال العقود الأخيرة بات الحديث عن امرأة سعودية محتشمة بلباسها وسافرة بخُلُقها طبيعياً وكأن غالبية نساء المجتمع من هذا النوع. أكثر ما تتمناه أي امرأة (معافاة) تعي أن الحرية النسائية شرط أساس لتربية جيل مسؤول على اعتبار أن المرأة المربي الأول في الأسرة، من ثمّ المجتمع أن تستمر موجة (التمرّد) التي بدأتها رهف القنون، وتتحول إلى حركة نضالية جماعية يكون لها ثقلها في مسارات السياسة والمجتمعات. يقدم الفكر والكاتب السوري فراس السواح الذي طاله ما طاله من انتقاد وتخوين لمجرد طرحه فكرة تحريضية  لعدم تبعية المرأة في إحدى كتبه (لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة) الصادر عام  1985، تفصيلاً لمكانة الأنثى وعظمتها في التاريخ، وكيف أفضى التطور المديني إلى تحجيمها “إنّ التّجمّع الإنساني الأوّل لم يؤسَّس بقيادة الرّجل المحارب الصّياد، بل تبلور تلقائيّاً حول الأمِّ التي شدَّتْ عواطفَها وحدبها ورعايتها الأبناءَ حولها في أوّل وحدةٍ إنسانيّةٍ متكاتفةٍ هي العائلة الأموميّة، خليّة المجتمع الأموميّ الأكبر”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى