ثقافة

تيسير خلف لـ”طلعنا عالحرية”: في “مذبحة الفلاسفة” تعاملت مع تاريخنا بنظرة جديدة

في “مذبحة الفلاسفة” الصادرة مؤخرًا عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت وعمّان، يستعيد الكاتب والروائي تيسير خلف، السنوات الأخيرة من حياة مدينة تدمر محاولًا الإضاءة على جوانب غامضة من تاريخ تلك المدينة التي تحولت في عهد ملكتها زنوبيا إلى مشروع مدينة فاضلة.

وللتعرف على منجزه الروائي الرابع التقت “طلعنا عالحرية” بـ”خلف”، فكان هذا الحوار:

تيسير خلف

يقول خلف: “روايتي تندرج تحت مسمى ”الرواية التاريخية”، وهي تستلهم حقبة قديمة من تاريخ المشرق العربي، في نهضته الأولى بعد قرون طويلة من الالتحاق بالامبراطوريات الكبرى، كانت جذوة هذه النهضة مجموعة من الفلاسفة الأفلاطونيين الذين استقطبتهم ملكة تدمر زنوبيا لإقامة امبراطورية المشرق على أسس العدالة والفضيلة وتقسيم العمل المستمدة من قوانين جمهورية أفلاطون، ولكن الظروف المحيطة بهذه الامبراطورية الممتدة من الأناضول إلى مصر لم تسمح لها بأن تستمر، فتضافر ضدها أعداء الداخل وأعداء الخارج إلى أن كانت النهاية المأساوية المعروفة بتدمير عاصمة الامبراطورية، وإعدام الفلاسفة وحبس الملكة في قصر تيبور”.

تدمر وتصويب الرواية التاريخية

تتحدث الرواية (تقع في 200 صفحة من القطع المتوسط) بلسان كاهن تدمر الأكبر في عهد الملكة زنوبيا، وتضيء على جوانب غامضة من تاريخ تلك المدينة التي تحولت في عهد ملكتها زنوبيا إلى مشروع مدينة فاضلة لم تأذن الظروف لها أن تكتمل، إذ هاجمت قوات الإمبراطور الروماني أورليانوس بمساعدة قوات بعض القبائل العربية جيوش زنوبيا وأنهت حكمها في العام 275 للميلاد، واقتيدت الملكة ومجلس حكمائها (الفلاسفة) مخفورين إلى حمص، حيث نصبت محكمة هناك حكمت على الفلاسفة بالإعدام، وبالإقامة الجبرية على الملكة في قصر تيبور قرب روما.

وبسؤاله عن الشواغل التي عمل عليها في منجزه السردي الرابع، يبيّن مُحدثنّا أنه “على مستوى الأفكار طرحت وجهة نظر جديدة في طريقة النظر والتعامل مع تاريخ تلك الحقبة، فصراع زنوبيا مع أورليانوس، ليس صراعًا بين الشرق والغرب كما حاول كثير من المورخين التأكيد عليه، بل هو صراع بين وجهتي نظر في الحياة، كان لها مؤيدوها في غرب الامبراطورية، ولها أيضًا معارضون في الشرق، ولذلك كان مؤيدو زنوبيا يعتبرون أنفسهم مؤيدين للمملكة الفضيلة. أما على مستوى اللغة فقد اشتغلت على موضوعة اللغة القديمة، وطرائق الخطاب التي كانت سائدة قبل 18 قرنًا من خلال قراءاتي لأدب وفكر تلك العصور، وأظنني وصلت إلى ماكنت أريد”.

محاكاة لتاريخ الديكتاتورية المعاصر..

في “مذبحة الفلاسفة” يحاول تيسير خلف الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المتعلقة بالهوية الثقافية للمشرق في ذلك الزمن، واستحالة إقامة مملكة فاضلة في عالم تتناهبه المصالح السياسية والتناقضات الدينية. راويًا كيف اغتال الغرب المدينة في العام 275 للميلاد في وقت ترتكب فيه “داعش” اليوم جريمتها الكبرى مغتالة حاضر وتاريخ تدمر، في هذا السياق سألناه: هل تعمدت كتابة هذا التاريخ روائيًا في محاولة لمحاكاة الحاضر، والربط بين ماضٍ منيرٍ حكمه العقل وحاضر بغيض يسيطر عليه الاستبداد السياسي والديني؟ وكيف ترى الأدب كشهادة حية عن اللحظة التاريخية؟ فأجابنا: “أنا مشغول بالحاضر، ولكي أفهمه أبحث وسائل تحليله حتى في التاريخ، كنت أتساءل دومًا لماذا قتل أورليانوس الفلاسفة وعفا عن الجنود الذين عاد وأرسلهم إلى شمالي إفريقيا، لا شك في أنه كان يدرك خطر استمرار هذا الفكر لأنه لاشك سيعيد بناء نهضة حتى لو خسرت تدمر المعركة، الخطر بالنسبة لأورليانوس لم يكن في جيوش تدمر وإنما في فلاسفتها ومفكريها، تمامًا كما يفكر أي ديكتاتور مغتصب في هذا العصر، حين يسجن المثقفين ويقتلهم ويطلق سراح المتطرفين ويعقد الصفقات مع حملة السلاح.”

ونسأل الروائي الفلسطيني السوري عن الحدود الفاصلة في العمل الروائي بين الاشتغال على التوثيق والخيال الروائي؟ وهل هناك فروقًا بين كتابة التاريخ المعتمد على الوثائق التاريخية، وبين الرواية التاريخية؟ فيقول: “أعتقد أن فن الرواية يحتمل مالا يحتمله النص التاريخي، في الرواية ثمة هامش للخيال، إجابات على أسئلة معلقة، وجهة نظر جديدة، فأنت غير ملزم بحرفية الرواية التاريخية وقوانينها الصارمة، أنت هنا حر في قراءة التاريخ، تُسبغ عليه رؤيتك كما كونتها من مصادر شتى، ولذلك فإن الرواية التاريخية هي فن شديد الوعورة، وفيه مغامرة كبرى تحتاج إلى عمل توثيقي مضاعف، وجهد بحثي لا يقل عن الجهد الابداعي الذي تفكر فيه..”.

وهنا يتجدد السؤال هل أن “الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ” وذلك انطلاقًا من تجربة “خلف” السردية في روايتيه (موفيولا – 2013، ومذبحة الفلاسفة- 2016)؟. فيقول: “نعم على الرواية التاريخية أن تستنطق الوثيقة التاريخية، وأن تبني عليها. وحين نشأ علم التاريخ على يد هيرودوت قبل 2500 عام، كان هذا الهاجس يلازمه، فلم يخل نصه من خيال إبداعي، ومحاكمة عقلية للوقائع، ولذلك يشكك بعض مؤرخي العصر الحديث المدرسيين بكتاب هيرودوت، لوجود الخيال فيه، ولكن الآداب المعاصرة حلت هذه الإشكالية وابتدعت الرواية التاريخية لتجاوز هذه المعضلة”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى