مقالات رأي

بين تدمير غليون.. ورئاسة قسيس

يقول الدكتور محمد طه بدوي بأن كل إنسان يحمل في ذاته ما يسميه بـ “جوهر السياسة” ويشمل حالتين متناقضتين هما:

أ- الأمر: بمعني كل إنسان سوي لديه درجة من السيطرة على الآخرين.

ب- الطاعة: بمعنى لديه درجة من الاستعداد لطاعة الآخرين.

وطبعاً إذا كان القائد السياسي يرى أن سيطرته على الآخرين وقدرته على الأمر هي غير مقيدة، ومنطلقة أساساً من عوامل ذاتية قهرية وتسلطية، وأنه غير خاضع لطاعة، وحتى لو كان من المجموع الشعبي أو الشرعي هو الذي أعطاه سلطة الأمر، إذاً نكون حينها أمام ديكتاتورية مستبدة كما هو حال بشار الأسد وغيره من المستبدين. بينما إذا كان القائد السياسي يرى أن سلطته الآمرة هي ليست منطلقة من ذاته، وهو خاضع لطاعة المجموع الذي شرعن وجوده في سدة السلطة، نكون أمام نموذج تشاركي شرعي كما حال القادة السياسيين في الدول الديموقراطية المتقدمة.

لماذا ابتدأت بهذه المقدمة النظرية؟

حتى أصل إلى استنتاج معاش خلال ست سنوات من الثورة، وهو منطلق أساساً من حالة التصحر السياسي الذي عاشه المجتمع السوري لما يزيد عن 40 عاماً، والذي أثر على ماهية جوهر السياسة في داخل المواطن السوري، والذي اقتصر خلال فترة ما قبل الثورة على طاعة عمياء فقط. وبعد تحرر مناطق عدة في سورية من النظام، انقلبت هذه الحالة داخل المناطق المحررة إلى حالة تمترس وراء ظاهر الأمر فقط، دون أي طاعة، وبالتالي الجنوح الكبير نحو مشاريع السلطة والهيمنة، وخاصة أن هذه المشاريع ألُبست لبوسات دينية ومنهجية لشرعنتها. وعليه كانت النتيجة الحتمية لهذه الحالة هي إنتاج حالة من العطالة الدائمة، أدت إلى فشل بناء أي جسم قيادي أو إيجاد قيادة مرجعية للثورة، وطبعاً المبررات في كل مرحلة تختلف بحسب الظروف السائدة، فإذا ما حاولنا استرجاع تجارب إنتاج قيادة للثورة السورية سنصطدم بتلك الحقيقة المرة.

فمع بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2011 أنشئ المجلس الوطني السوري في محاولة لاستنساخ تجرية المجلس الوطني الليبي، والذي استطاع -وبمساعدة غربية- إسقاط نظام القذافي. وترأس المجلس الوطني كأول رئيس الدكتور برهان غليون أستاذ علم الاجتماع في السوربون في فرنسا، لتبدأ عملية إسقاط المجلس من قبلنا قبل غيرنا بحجج متعددة! كالقول إن المجلس الوطني “معارضة خارجية” وأن برهان غليون شخص علماني.. ليدخل المجلس الوطني بحالة من الشلل.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 أنشئ الائتلاف الوطني السوري، ليرأسه رجل الدين الدمشقي معاذ الخطيب، ولنعيد نفس الكرة ولكن هذه المرة بحجج جديدة.

وفي ديسمبر 2015 أنشئت الهيئة العليا للتفاوض، برئاسة أكبر شخصية مدنية منشقة عن النظام الدكتور رياض حجاب، لنعيد نفس الكرة في تدمير مؤسسات قيادة الثورة، وتدمير أشخاصها. ولعل أخطر طعنة تلقتها الهيئة العليا للمفاوضات هي ما حصل أخيراً من قبول الفصائل السورية الذهاب لمؤتمر الأستانة باعتبارها فصائل متفرقة وليست تحت عباءة هيئة جامعة لها، علماً أن غالبية هذه الفصائل ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات.

إذاً حالة الخلل ما زالت موجودة، وهي ظاهرة. الامتناع عن الانخراط في أي جسم أو مؤسسة تجبر طلاب السلطة على الخضوع أو الطاعة بما يحقق مصلحة المجموع.

وعليه يمكن فهم حالة العجز التي وصلنا إليها في عدم القدرة على إنتاج أجسام قيادية حقيقية، وهذا الأمر لا ينطبق على المؤسسات السياسية الكبرى التي ذكرناها سابقاً، بل هي حالة منتشرة في كل المناطق المحلية المحررة في سورية. فإذا ما استعرضنا واقع مناطقنا المحررة، نجد أننا فشلنا في إنتاج أجسام قيادية موحدة لهذه المناطق، ولذلك انحصر اهتمام القوى الموجودة في هذه المناطق بالحفاظ على ذاتها، دون أن تنظر بشكل أوسع من ذلك، وبالتالي تجذّرت حالة من العطالة وعدم الفاعلية للاستجابة للتهديدات في مناطق أخرى.

ولعل جمود جبهات عدة مناطق في سورية، في حين كانت المعارك مشتعلة على أشدها في مناطق أخرى، كنموذج حلب ووادي بردى، خير دليل عن هذه العطالة. ولعل هذه الحالة أوصلت العديد من السوريين لحالة من اليأس بأن تستطيع قوى الثورة إنتاج قيادة حقيقية.

ويمكن من هنا فهم حالة التفاعل -ولو كان من الناحية الهزلية- لدى الكثيرين إبان تسريب اسم “رندة قسيس” كرئيسة لسورية؛ فأعتقد أنه في داخل نسبة كبيرة من السوريين باتوا يعتقدون أن توحد قوى الثورة لن يكون من الداخل، وإنما بإملاء من الخارج.

وعليه يمكن القول إنه من سعى لتدمير برهان غليون فمن الضروري أن يناقش اليوم هل من الممكن أن يطرح اسم رندة قسيس لمنصب معين! وأنا هنا لا أستهدف تلميع صورة شخص أو مهاجمة شخص، وإنما ما أناقشه هو ضرورة خروجنا من حالة التدمير الذاتي الذي نتبناه؛ فاليوم لدينا هيئة عليا للمفاوضات، دعونا نقف خلفها صفّاً واحداً كقوى ثورة وفصائل على المستوى الخارجي. أما على المستوى الداخلي، أيضاً يجب علينا تكرار الأمر؛ فلنقف صفاً واحداً خلف المؤسسات التي أنتجناها، ليس فقط لنبني مؤسسة سلطات أمر، بل لنكون جزءاً من مؤسسات ثورية على مستوى سورية، ونقبل الطاعة بما يحقق مصلحة الثورة.

أبو القاسم السوري
كاتب وصحفي من داخل الغوطة الشرقية - ريف دمشق
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى