تحقيقات

الواقع الطبي في الغوطة الشرقية بين الحاجة الملحة وفوضى التنظيم

الدكتور صخر في  غرفة العمليات

الدكتور صخر في غرفة العمليات

يعتبر القطاع الطبي أحد أهم القطاعات التي ترتبط بها حياة المجتمعات في عصرنا، وربما لا توجد مهنة في العالم ارتبطت بالبعد الإنساني أكثر من المهنة الطبية، فالممرضات يوصفن بملائكة الرحمة، والأطباء بأصحاب القلوب الكبيرة.. وفي مراحل الحروب والكوارث يتحمل هذا القطاع أعباء مضاعفة، ولعل الحالة السورية خير دليل على ذلك، فالقطاع الطبي سجل نقاطاً مضيئة سيذكرها التاريخ وستبقى محفورة في ذاكرة السويين ووجدانهم، فكم من طبيب وممرض قدموا حياتهم في سبيل مساعدة أهلهم السوريين، وكم من طبيب معتقل في سجون النظام منذ سنين وتهمته الرئيسية الصدح بالحق.

ويعتبر القطاع الطبي في الغوطة الشرقية أحد الحوامل الرئيسية للثورة في قطاعها المدني، وقد عانى هذا القطاع الويلات نتيجة الظروف التي مرت بها الغوطة الشرقية، لكن هذا القطاع شهد تخبطاً تنظيماً وشرذمة انعكست على أرض الواقع بتعدد الجهات المسؤولة عن هذا القطاع، بالإضافة إلى غياب الاستراتيجية الطبية الواضحة مما ساهم في خروج بعض الكوادر من الغوطة لتضيف عجزاً إضافياً على عمل هذا القطاع. ولذلك سنحاول هنا تسليط الضوء على بعض هذه النقاط من خلال لقاءات أجرتها طلعنا عالحرية مع عدد من العاملين في هذا القطاع ضمن الغوطة الشرقية لنتعرف منهم على واقع قطاعهم وما له وما عليه خاصة في إطاره التنظيمي والمهني.

بداية تحدثنا مع د. صخر دمشقي رئيس شعبة صحة الغوطة الشرقية في مديرية الصحة ومدير المكتب الطبي الثوري الموحد سابقاً:

 

دكتور أنت من أوائل الأطباء الذين عملوا في المجال الطبي الثوري، كيف تصف لنا المراحل التاريخية لهذه التجربة؟

بداية الثورة دخلنا جميعا كمواطنين ضمن الحراك السلمي ومطالب الحرية، ومع سقوط أول جريح بنيران قوات النظام كان لدينا نحن كأطباء التزام بإسعاف الجرحى خاصة أن النظام كان يقتحم المشافي ويعتقل الجرحى ويصفي بعضهم، لذلك اضطررنا لمعالجتهم بنقاط ميدانية متحركة، ومع تحرر الغوطة وما رافقه من قصف ممنهج ظهرت مبادرات من أطباء وناشطين لتنظيم العمل الطبي، وفي حينها أسسنا المكتب الطبي الثوري الموحد في الغوطة لإدارة الأزمة الطبية وتنظيم العمل الطبي، بعدها بدأ يظهر الدعم الطبي وأصبح ينفذ مشاريع بشكل مباشر ووصلنا اليوم بعد ما يقارب 4 سنوات ونصف لواقعنا الحالي حيث يوجد جهات طبية فاعلة على الأرض وهناك محاولات حثيثة لتنسيق العمل بينها، وقد استطعنا أن نصل لدائرة تجمع الكل .

 

هل يمكن القول إن غالبية عملية التنظيم هي بمبادرات داخلية دون وجود جهة مركزية تقود عملية التنظيم؟

نعم هذا ما حصل، نحن كعاملين في المجال الطبي كنا نعرف بعضنا فظهرت فكرة المكاتب الطبية الفرعية المحلية وتطورت للوصول لمكتب طبي موحد، بعدها دخلت منظومة الأطباء الأحرار ومبادرات دعم إغاثي وطبي وأنشئت مراكز خدمات، واليوم لدينا مكتب طبي موحد واتحاد الأطباء الأحرار ومديرية الصحة والسراج للتنمية والرعاية الصحية والسامز وغيرها.

 

هل تعتقد أن تنوع جهات الطبية بالغوطة أتى بنتائج جيدة أو سيئة؟

التنوع الحالي هو نتاج الواقع وليس نتاج تصميم مسبق، والغوطة كمنطقة محاصرة تحتاج جميع هذه الجهات لأن هناك جهات تدعم منظمات مجتمع مدني وهناك جهات تدعم عن طريق الحكومة المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم ونحن بالمحصلة على الأرض نحتاج لاستقطاب الجميع.

يوجد نقطتين تمنعان وجود جهة مركزية ترسم سياسية طبية موحدة:

1 – عفوية الثورة

2 – شح الكوادر وضعف مقومات العمل

لذلك لا يمكن العبث بما هو قائم وإنما علينا فقط تنظيمه.

 

كي لا تكون الصورة وردية أنت تعلم أنه لا يوجد دعم دون وجود أجندة سياسية، ألا تعتقد أن تعدد الدعم سيرافقه تعدد أجندات سياسية وسينعكس ذلك على العمل الطبي؟

بالكلام عن العمل الطبي المهني فهو خارج الأجندات، ويوجد وعي طبي بذلك، ولكن بالمحصلة كل من يعملون هم بشر والجانب الطبي مثله مثل باقي القطاعات يوجد فيه هذا الأمر، وعندما نجتمع نتكلم بقضايا تقنية مهنية، ولكل رأيه الخاص بالشأن العام والسياسية، وهذه ظاهرة صحية. فإذا استطعنا تنسيق التناقضات فهذا أمر إيجابي، وأنا أخشى ما أخشاه أن يتحول العمل ضمن المؤسسات الثورية القائمة إلى عمل بحد ذاته دون البعد الثوري، وهذا لا يشمل المجال الطبي فقط.

 

أين تضع موقع شعبة الصحة على الخارطة الطبية في الغوطة؟

ما دامت الحالة الثورية مستمرة فنحن بحاجة إلى جميع المبادرات القائمة، وبعد انتصار الثورة سنعود جميعاً إلى حالة الدولة وحينها تكون وزارة الصحة هي الجهة الوحيدة الناظمة للقطاع الصحي.

 

ما هي الخدمات التي قدمتها الشعبة؟

شعبة الصحة استطاعت التعامل مع الجميع، ونحن سنكون داعماً للجميع، وقد قمنا بتشغيل عدد من المشاريع التخصصية المركزية، على سبيل المثال مراكز العمليات الجراحية المركزية في دوما وهو مدعوم من الشعبة والغوطة بحاجته، ومنظومة الإسعاف مدعومة أيضاً، بالإضافة إلى دعم محروقات للمراكز والنقاط الطبية التي تقدم خدمات مجانية، بالإضافة إلى مشروع مستودع مركزي، وطبعاً طموحنا أكبر مما تحقق.

 

شعرت أن شعبة الصحة أقرب إلى الجهة الداعمة، هل هذا صحيح؟

نحن نتعامل على أساس المحافظة على ما هو قائم ومساندته، وفي وضعنا الحالي لا يمكن لجهة سلطوية مركزية تلبية حاجيات الغوطة في ظل الحصار، ربما في الشمال السوري تستطيع مديريات الصحة أن تأخذ دوراً أكبر بسبب العوامل الجغرافية هناك والحدود المفتوحة.

 

عندما لا يتلقى أحد المواطنين العناية المطلوبة من أحد المراكز هل يستطيع أن يلجأ لجهة معينة للشكوى؟

المواطنون على مشاربهم المختلفة يلجؤون لجهات مختلفة في هذا الأمر، منهم من يلجأ للقضاء أو للشعبة أو للمكتب الطبي الموحد. نحن ما زلنا في طور تنظيم الإدارة المدنية لم نستكملها بعد.

 

في حال حدوث خطأ طبي، مع علمنا أن نسبة لا يستهان بها من القطاع الطبي هم غير متخصصين، هل يوجد جهة رقابية على ذلك؟

المرجعية في ذلك هي للقضاء، والقضاء يستأنس برأي طبي تخصصي، نحن لا نستطيع الاستغناء عن الكوادر الحالية حتى لو كانوا غير تخصصين، قبل أيام كنا بمعهد المعالي وهو معهد يرعاه الأطباء الأحرار وستتخرج أول دفعة باختصاص التمريض.

 

هل يوجد إحصائية في شعبة الصحة عن عدد الأطباء التخصصين بالغوطة، وما هو معدل السكان لكل طبيب؟

عدد الكوادر المتوفرة أقل بكثير من المعايير الطبيعية في أي مجتمع. وهناك نقص في الكوادر المتخصصة، ويوجد حالة عجز في بعض التخصصات المهمة كالجراحة العصبية ولا أحد يملك حلاً لذلك.

 

لماذا لا يتم العمل على استقدام أطباء من الشمال السوري؟

هذا السؤال أساسه أخلاقي، يوجد كثيرين من أبناء الغوطة ضمن القطاع الطبي هم خارج الغوطة، ونسبة كبيرة في دمشق، وعندما يأخذ الطبيب قراراً بالعمل في المناطق الثائرة فهو قرار شخصي، ولا أعتقد أنه بعد هذه المدة هناك من لم يحسم قراره في مكان العمل الذي يريده.

 

  وفي حديث مع أحد الأطباء في الغوطة والذي فضل عدم ذكر اسمه تطرقنا لموضوع الرواتب:

العديد من المواطنين في الشارع يقولون بأن المجال الطبي في الغوطة هو عبارة عن سوق عمل برواتب عالية ما رأيك في هذا الأمر؟

هذا الكلام فيه جانب كبير من الصحة، بداية العمل كان الدافع تطوعي وثوري ولكن بعد تدفق أموال الداعمين وظروف الحصار أصبح ذلك حافزاً لكثيرين للعمل ضمن القطاع الطبي الثوري، وأصبح الأطباء من العينة التي تتقاضى رواتب جيدة ومقبولة ضمن المجتمع المحاصر.

 

دكتور أنت تتكلم عن رواتب مقبولة ولكن هناك معلومات بأن رواتب بعض الأطباء قد تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً، فهل هكذا رواتب تعتبر مقبولة ضمن الغوطة؟

بعض هذا الكلام صحيح وأنا واحد من الأطباء الذين يمتعضون من هذه الظاهرة، ولكن في النهاية الأطباء هم بشر، فمثلما تجد شخصاً قنوعاً تجد شخصاً طماعاً، ولنكن صريحين بعض الجهات الداعمة أغدقت بدعمها على الأطباء برواتب عالية.

 

هل يمكن أن تعطيني لمحة عن هذه الرواتب؟

لا يمكن أن أعطيك أرقاماً.. كل جهة لها طريقتها، ولكن تصل بعض الرواتب الشهرية إلى ألفي دولار أو ربما أكثر، وأنا أتمنى أن يكون هناك تعرفة عادلة وموحدة لجميع الأطباء وفق ساعات العمل.

 

الموضوع المستغرب أن هذه الرواتب العالية فقط هي مخصصة للأطباء حصراً بينما باقي الكادر الطبي لا تتجاوز رواتبهم 100 دولار شهرياً فما تعليقك على ذلك؟

هذه مفارقة كبيرة لا يمكن القبول بها، هناك تفاوت كبير في الأجور ما بين الأطباء أنفسهم حسب جهة الدعم، وتفاوت كبير بين طبقة الأطباء وطبقة التمريض.

 

ما هو سبب هذا الفرق الكبير في الأجور؟

السبب من جهة الأطراف الداعمة ومن جهة يمكن اعتبارها سلوكيات خاطئة، وأصحاب القرار حقيقة هم الأطباء بمؤسساتهم المختلفة، والحل هو وجود تعرفة تشمل الجميع وتكون موحدة.

 

سمعنا عن موضوع استنزاف الكادر الطبي في الغوطة وخروج العديد من كوادره لخارج الغوطة هل هذا الأمر صحيح؟

هذا صحيح، بعض الكوادر خرجت نهائياً من الغوطة والبعض بدأ يلجأ إلى المناطق المهادنة المجاورة حيث الوضع المعاشي أفضل، وهو أمر قد يؤدي إلى الشلل التام للقطاع الطبي.

 

أليس غريباً أنه طالما الرواتب عالية جدا فلماذا يخرج الأطباء إلى خارج الغوطة؟

قد يكون التعب والإرهاق منذ 4 سنوات أحد الأسباب، أو قد يكون الشعور بعدم الأمن سبباً آخر، بالإضافة إلى الظروف الإنسانية لبعض الأطباء وخاصة لبعدهم عن عائلاتهم مدة طويلة جدا.

 

ألا تعتقد أن الجهات الداعمة ساهمت بتدمير الروح التطوعية في القطاع الطبي؟

نعم لعبت دوراً سلبياً جداً؛ أيام الفقر والعوز كان الجميع موحدين وعندما دخل الدعم تفرقنا وأتمنى أن نعود إلى الوضع الماضي.

 

وبالعودة لموضوع الممرضين والظلم الذي يلحق بهم التقينا زينب الممرضة العاملة في أحد المراكز الطبية لتقول:

“شو بدي احكي لأحكي.. لدينا في المركز أكثر من شخص لا يعمل وراتبه أكثر من الذي يعمل! والسبب في ذلك قربه من مدير المركز. لا يوجد عدل بالرواتب وخاصة العاملات والممرضات وهناك إهانات أحيانا في العمل. الدوام اليومي أكثر من 8 ساعات والراتب لا يتجاوز 100 دولار بينما الدكتور نسمع أنه يصل إلى 1000 دولار. مساعد الجراح لا يتقاضى إلا جزءاً بسيطاً مقارنة بالطبيب رغم أنه هو الذي ينجز أغلب العمل.

عندما يكون هناك مندوبون من الجهات الداعمة ترى إدارة المركز تقوم بتقديم الخدمات للمرضى على أعلى مستوى بينما في باقي الأيام قد يغيب العديد من الخدمات.

بعض الأطباء يذهبون برحلات استجمام إلى المناطق المهادنة بينما يكون هناك حاجة ملحة له ضمن الغوطة!”.

لعل الكثير يجب أن يقال، فهناك الكثير من النقاط الإيجابية في المجال الطبي أهمها التضحيات الكبيرة للعاملين في هذا المجال واندفاعهم لخدمة المواطنين المحاصرين في الغوطة، وخاصة أن ظروف الحرب المدمرة والحصار قد جعلت القيام بالعمل الطبي وفق المستوى المطلوب أمراً شديد الصعوبة، ولكن ذلك لا يمنعنا من القول إن هناك عديداً من النقاط التي يمكن استشفافها من خلال المقابلات السابقة تؤشر إلى ضرورة ملحة للعمل على إصلاحها، وقد يكون المدخل الرئيسي في ذلك هو من خلال تبني استراتيجية تنظيمية واضحة لهذا القطاع وفق معايير عادلة وموحدة للجميع.

أبو القاسم السوري
كاتب وصحفي من داخل الغوطة الشرقية – ريف دمشق
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى