قضايا المرأة

المنفى حلمٌ مُشتهى للسوري.. وساحة للأشباح

الصورة توضيحية من الانترنت

ليس هناك ربما ما هو أصعب, وأكثر تعقيداً من سؤال الهويّة الذي يطرحه المرء على نفسه, وبخاصة العاملون في الشأن الثقافي أو المعرفي العام, من ذاك الذي يُطرح في المنفى, وفي زمن الحرب. حيث يغدو ثقل العوامل الخارجية المؤثرة في السؤال تشويشاً على السؤال ذاته. فما هي خصوصيّة الحالة الفرديّة, ما هي شرطيّة المنفى وهل كان اختياريّاً بهذه الدرجة أو تلك أو قسريّاً بشكل كامل؟ وأيّ منفى هو؟ وأيّ ذاكرة للهويّة لدى صاحب السؤال وأيّ اصطفاف معرفي, أيديولوجي وأخلاقي اتخذه المعني من الحرب؟ والأهم ما هو نوع الارتباط المُستمر بالمكان والأفراد والثقافة الأولى؟

بالتأكيد لا أدعي امتلاك المعرفة الكافيّة لتقديم طروحات نقديّة عامّة عن وضع المثقفين السوريين في المنفى, لكن أسمح لنفسي بتسجيل ملاحظات على الهامش, وأعترف أنّني مسكونة بدوري بذاتيّة تجربتي. اخترت المنفى بشكل واعٍ وبقرار حاسم, واخترت البلد حتى حيث سمحت لي ظروف بحريّة ورفاهيّة هذا الاختيار, كان ذلك في صيف العام 2013. آنذاك كنت أسيرة لفكرة “الاعتقال”, اغلقت باب منزلي واختبأت فيه. أصابني هوس النظافة وترتيب المنزل كرد فعل لا إرادي على الحرب التي تقترب رائحتها من العاصمة السورية دمشق. كان الأصدقاء يغادرون, يعتقلون, يختفون, ولم اشعر سوى بالضياع والحاجة إلى الخروج بعيداً عليّ أستطيع رؤية المشهد بشكلٍ أوضح.

عوامل مباشرة وغير مباشرة عدّة دفعتني للخروج, لوقت قصير كما أخبرت نفسي, لكني في الواقع لم أرغب بالعودة, ثمّ فعلت. في اليوم السابق لعودتي كان دافعي الأبرز هو الرغبة بالخلاص من رعب فكرة العودة الذي يأكلني ويمنعني حتى من التنفّس, وفي الوقت ذاته تصالحت مع إمكانيّة أن اعتقل, ليس لفعلٍ قمت أو لم أقم به, بل لحاجتي للاعتذار من الأصدقاء الذين خلّفتهم ورائي حين رحلت. غدا في عذاب العودة المتقطّع على مدى سنتين تقريباً, في التعايش اليومي مع رعب هاجس الاعتقال نوع من أنواع التطّهر, وشكلٌ من عيش مُشترك مع المُتعبين في الداخل الذين لا يملكون رفاهيّة المغادرة إلى منفى ما, وحياة ما مختلفة.

الحياة في خارج حدود مساحة الخطر تتيح مجالاً أوسع لعرض الأفكار وحريّة النقاشات, التي وصلت بكثير من الأصدقاء السوريين إلى الاصطدام والقطيعة أو التزيّف نتيجة تعقيدات الصراع السوري وقضاياه الفكريّة وفي الوقت ذاته حجم مأساته الإنسانيّة المروّع. بالنسبة لي, ارتبطتُ بقضيتي التي عدّت من أجلها إلى سوريا بعد أقلّ من عامٍ على الغياب, واعية للسلطة المُسيطرة وقوانينها, ومحكومة في كلّ لحظة في خارج مساحة سيطرة هذه السلطة بعودتي إلى داخلها, لكن مع الوقت اقتربت سلطات أخرى بأيديولوجيات مختلفة لا تقل عنفاً وتطرّفاً من مجالات حركتي المُحدّدة في دمشق, ازداد قلقي, اضطرابي, حذري وخوفي. وحدهم زملاء الكتابة يعلمون جيداً معنى مفرداتي هذه,. إذ على سبيل المثال تكتب مقالاً بسيطاً عن عرض مسرحي وتخطئ أكثر من مرّة في اسم الممثل أو الممثلة على الرغم من أنّ بروشور العرض أمام عينيك, وقد شاهدت العرض وقرأت عنه كذلك.

أجل, أتحدّث عن هذا المستوى التقني جداً من الكتابة, من محاولة الفعل, في ظلّ كلّ ذاك الاضطراب اليومي لشخص يحاول عبر اختياره الكتابة شكلاً للفعل أن يقدّم قولاً ورؤية ولو بسيطة ومحددة جداً, وهامشيّة, وحتى عابرة. يحاول اختيار مفرداته, والتمسّك بها والدفاع عنها, في بلد يخوّن فيه البعض بعضه إن لم يعتبر الرقة ومناطق أخرى مناطق “مُحرّرة” في حين أنّها ومن وجهة نظر القانون الدولي “خارجة عن سيطرة الحكومة السورية”, والقراءة المعكوسة تخوّن البعض لدى البعض أيضاً. لا يتعلق الأمر بما هو صحيح وما هو خاطئ بشكل كُليّ عام, بقدر ما يتعلق بحساسيّات الاصطفاف السياسي الذي وبضغط عوامل الصراع السوري غدا اصطفافاً أخلاقياً في مواضيع كثيرة.

سوريون آخرون اختاروا المنفى بشكلٍ غير واع, غادروا سوريا مع عام حراكها المُجتمعي الأوّل بحثاً عن ملجئ مؤقت, صحفيون وكتّاب ورسامون وتقنيون خبراء في مجال الاتصالات وباحثون اختصاصيون وقانونيون وسواهم, لكنهم غرقوا في رعب “هاجس العودة” الموسوم بالاعتقال, يحاولون بالدرجة الأوّلى- كما أعتقد- تحديد تعريف للزمن. الزمن لديهم زمن مؤقت رغم استطالته, هو زمن يعبر في انتظار العودة, وشبح التجربة الفلسطينية يُعشعش في أذهانهم يوماً بعد يوم, ولا يجرؤون على البوح به.

ارتبط الخارج, وليس المنفى, في لحظاته الأوّلى بالتحرّر من الرقيب, الذي هو السلطة السورية الحاكمة منذ عقود. فظهرت خطابات سياسية حادّة, متطرّفة, لا تُهادن, كما ظهرت أحكام نقديّة قاسية, ولغة واكبت أعمال فنيّة تفيض بالعنف والقسوة, فكلٌ يحارب أشباحه. في حين بقي المثقفون الذين يعيشون في سوريا أكثر وسطيّة في اختيار مفرداتهم, أكثر اقتراباً من اللغة الإنسانيّة الجمعاء وإن اتهمّ البعض بالتخفيّ تحت هذا الغطاء من اتخاذ موقفٍ سياسي, لكن البعض الآخر نجا ومن أبرز هذه التجارب الناجحة أعمال الخطّاط السوري “منير الشعراني”.

إلاّ أنّ الخارج كمفهوم يفقد خصوصيته ويتحوّل إلى منفى بعد وقتٍ قصير, هو الوقت الذي يحتاجه كلّ امروء للتنفّس قبل أن تهاجمه أسئلة المعيشة اليومية (عنوان سكن- دخل- نظام الضرائب..) وبالطبع أزمة اللغة التي هي في وجه من أوجهها أزمة هويّة بالضرورة, هي أكثر من وسيلة تواصل وسبيل اندماج في مجتمع جديد, هي ثقافة جديدة وطريقة تفكير مختلفة ومنظار آخر إلى العالم.

يقول المفكر الفلسطيني “إدوارد سعيد” عن “المثقف المنفي”: (يحيا المنفي في حالة وسط, مُحاصراً بنصف ارتباط ونصف انفصال). لكن هذا المنفي المُدرك لنفيه, واع لذاته كمنفيّ ولكلا المكانين, الأصل الذي حفظته الذاكرة والجديد الذي حاول أن يرسم لشوارعه وأزقته خريطة في الذاكرة. إلاّ أنّ معظم السوريين اليوم عالقون في مرحلة هي قبل المنفى, وبعد الخارج. يعرّفها كثير منهم أو يُشير إليها بوصفها مرحلة “صدمة الاغتراب” أو “صدمة اللجوء”. أن تعي ذاتك كلاجئ, كمنفي, كغريب, وبالضرورة كلا مُنتمٍ.

مرّد هذا السكون في مرحلة الصدمة, عدّة عوامل أوّلها طبيعة الصراع في سوريا والذي خرج عن كل التوقعات والحسابات بشكلٍ جنوني يصعب على السوري اليوم الوقف بشكلٍ ثابت ومستقر على أمره منه, فلم يعد العدو واحداً, ولم يعد للعدو أيديولوجيا واحدة, وغدا السؤال الأكثر مرارة: هل من يحارب عدوي صديقي؟ حتى أنّ قسماً كبيراً من السوريين اليوم لا يواجهون أنفسهم بسؤال العودة. البعض يغرق في مرارة استدامة الصراع لُيقيم بالاستناد إليها عالماً جديداً أكثر استقراراً, والبعض مسلوبٌ في اكتئابٍ وصفه “سعيد”: (يميل المثقف كمنفي لأن يكون سعيداً بفكرة التعاسة), والبعض ممّن هم أكثر قدماً في زمن النفي, ويُلحظ الأكثر شباباً (سن الجامعة) والأكثر تقدّماً في العمر (ما فوق الخمسين) قد ارتاحوا ضمناً لقرار الاستقرار في أرض غريبة, حيث يؤسسون لحياة مختلفة تماماً, وهويّة جديدة ربما, أو لأنّ العمر أقصر حتى من حلم عودة مُشتهى إلى وطنٍ تغيّر بفعل الحرب والتدمير العسكري وسياسات التخطيط الديموغرافي الجديد وقواها الراديكالية المتصارعة, تغيّرت صورة هذا الوطن كما سجّلتها سنوات العمر الذي كان.

كلّ منفيّ سوري محكوم بزمنيّة نفيه ومعرفته, فمنفيوا البدايات 2011-2012 غضبهم, مواقفهم, ورآهم ومخاوفهم مُغايرة بهذه الدرجة أو تلك لمنفيي المرحلة الأحدث 2015-2016, معرفة الحدث والعيش معه تفرز أشباحاً تهاجم كلّ منفيّ بحسب خبرته, البعض مرتبط بصورة عنصر الأمن الذي يقتل ويُعذّب حتى الموت في الأفرع الأمنيّة, لكن البعض الآخر مرتبط بهذا وبالفتى الذي حمل سلاحاً حوّله من حامٍ لمظاهرة شعبية إلى قائد ميليشا صغير يحارب دون أيّ أوراق يستخدمها في الحرب سوى بندقية, والبعض مرتبط بالاثنين وبذاك الأسود القادم من كلّ صوب ليقيم نظام حكم لا يعترف بالسوري الذي رحل, ولا يقبل بقاء السوري إلاّ على صورته وشاكلته. هؤلاء أهل الفئة الأخيرة أكثر المنفيين حُزناً وافتقاداً للأمان, مُجرّدون من رفاهيّة امتلاك خطابٍ حاد وحاسم يتلونه وهم في الخارج كما فعل من سبقوهم, مأسورون بشدّة تعقيدات الشأن السوري في مختلف مستوياته. في الحقيقة هم “مطرودون”, “مُتخلّى عنهم” و”منبوذون” أكثر منهم منفيون, ممّا يُثقل عليهم بغضبٍ أضافي, ويغدو التعاطي مع سؤال “الهويّة” أكثر حدّة وقسوة.

طرح السؤال لا يمكننا بالضرورة من تقديم إجابات نهائية, هي خريطة إشكاليّة ومتحوّلة محكومة بمآلات الوضع السوري أوّلاً وأخيراً, وبخصوصيّة التجربة الفرديّة, وبالزمنيّة. لكن في المقابل, وكما أنّ تلك البلاد تعيش أقسى شتاءاتها مناخيّاً, أؤمن أنّ هذا يؤسّس رغم ثمنه الباهظ في زمن الحرب, لربيعٍ أخضر بعد سنوات قحط طويلة.

 

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى