حقوق الانسان والمجتمع المدني

الفئات المحمية في القانون الدولي الإنساني

المحامي إبراهيم القاسم

منذ بدء الثورة السورية، عمد النظام إلى قتل البشر والشجر والحجر، واستعان بالمرتزقة من كل مكان على شكل ميليشيات طائفية ارتكبت برفقته جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحق الشعب السوري، سيما النساء والأطفال. وبعد ذلك استعان النظام بإيران وروسيا ليفتك بالشعب السورشي. وفي سبيل تحقيق ذلك، استخدم النظام وحلفاؤه كل الأسلحة التقليدية والبيولوجية والكيماوية والأسلحة الحارقة، ذات القدرة التدميرية العالية والمحظورة دولياً.

 وليضمن النظام وحلفاؤه القضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين، عمد إلى استخدام أسلوب التجويع والحصار، ومنع دخول المساعدات الإنسانية الغذائية والطبية.. وفوق ذلك كله استهدف بشكل مباشر كل الطواقم الطبية والإغاثية والصحفية، وطواقم الدفاع المدني في كل أنحاء سورية، حتى يحرم المدنيين من أي أمل في إنقاذ أو نجاة أو علاج أو حياة، ضارباً بعرض الحائط بكل الاتفاقيات الدولية التي تضمن حماية المدنيين والأطقم الطبية والإغاثية.

حيث جاءت اتفاقيات جنيف وبروتوكولاها الإضافيان لحماية مجموعة واسعة من الأشخاص والممتلكات، أثناء النزاعات المسلّحة، وأسرى الحرب والأشخاص المحتجزين الآخرين، بالإضافة إلى المدنيين والأعيان المدنية، بالإضافة إلى اللاجئين والنازحين والأشخاص المفقودين نتيجة نزاع مسلّح.

كما يحمي القانون الدولي الإنساني العاملين في المنظمات الإنسانية؛ كالأشخاص المسؤولين عن توفير الرعاية البدنية والمعنوية؛ أي أفراد الخدمات الطبية وموظفي الدعم الإداري وأفراد الهيئات الدينية الذين ينبغي ألا يكونوا هدفاً لأي هجوم، ويجب السماح لهم بأداء واجباتهم، سواء أكانت في المجال الطبي أم الديني. ويوطّد القانون الدولي الإنساني بصورة شاملة ومفصلة في نصوصه الحماية الممنوحة للطواقم الطبية ووسائل النقل والمعدات، مثل موظفي اللجنة الدولية وجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. وتستفيد هذه المنظمات أيضاً من استخدام شارات الحماية، المعترف بها من قبل اتفاقيات جنيف والمتمثلة بالصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة (البلورة) الحمراء، وشارة الدفاع المدني والأعيان الثقافية المحمية.

وقد جاءت هذه الحماية وفق ما نصت عليه اتفاقيات جنيف الأربع وهي:

1 – اتفاقية جنيف الأولى (1949) تحمي أفراد القوات المسلّحة الجرحى والمرضى في الميدان.

2 – اتفاقية جنيف الثانية (1949) تحمي أفراد القوات المسلّحة الجرحى والمرضى والغرقى في البحار.

3 – اتفاقية جنيف الثالثة (1949) تحمي أسرى الحرب.

4 –  اتفاقية جنيف الرابعة (1949) تحمي الأشخاص المدنيين.

5 –  البروتوكول الإضافي الأول (1977) يعزز الحماية المكفولة لضحايا النزاعات المسلحة الدولية.

6 –  البروتوكول الإضافي الثاني (1977) يعزز الحماية المكفولة لضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.

7 – البروتوكول الإضافي الثالث (2005) يعزز الحماية للشارات الدولية.

وتأتي أهمية ضمان سلامة العاملين في مجال الإغاثة الطبية والغذائية وأفراد الدفاع المدني، الذين يقومون بعمليات الإجلاء، ومكافحة الحريق، وتطهير جثث الموتى.. في ظلّ الصراعات المسلّحة، وما تتركه من آثار وأضرار على المجتمعات.

وحسب القانون الدولي الإنساني، لا يجوز ارتكاب أي هجوم على العاملين في مجال الإغاثة الطبية والغذائية وأفراد الدفاع المدني، طالما أنهم لا يشاركون في العمليات العدائية. وينصّ القانون الدولي أيضاً على توفير الحماية للمعدات والسيارات والمباني المستخدمة من قبل هذه الفئات.

فنصّت اتفاقيات جنيف على أنه من واجب الدول وقت النزاعات المسلحة “أن تكفل حرية مرور جميع إرساليات الأدوية والمهمات الطبية، المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر من المدنيين، حتى لو كان خصماً. ويتعين لها السماح بحرية مرور أي إرساليات من الأغذية الضرورية والملابس والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر والنساء الحوامل أو النفاس”.

لا يوجد أي مبرر لاستهداف هذه الفئات مهما كانت الأعذار والحجج، وحتى مبدأ الضرورة الحربية، لا يمكن اعتماده في استهداف هذه الفئات، فعمل هذه الفئات لا يشكل تهديداً مباشراً أو غير مباشر على قوة المتحاربين، وهذا ما يتطلب من القوات المتحاربة حتى في حالة الضرورة الحربية اختيار وسائل حربية تتناسب مع غاية الضرورة الحربية؛ فوفق مبدأ التناسب، على سبيل المثال يجب أن تتلاءم أعمال القصف والتدمير والتخريب للممتلكات الخاصة، أو العامة أو للأراضي الزراعية، مع متطلبات سكان الإقليم المدنيين، واحتياجاتهم، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن تستخدم القوات المتحاربة -حتى في ظل قيام مبررات الضرورة الحربية وتوافرها- ما قد يؤدي إلى المساس باحتياجات قد تؤدي إلى وضعهم في ظروف معيشية صعبة أو التأثير على استقرارهم، كاستهداف الفئات المحمية والأعيان المحمية، سيما الفئات التي تقوم بالعمل الإنساني.

وفي سورية رفض النظام السوري الاعتراف بأن الوصف القانوني للحالة في سورية هي حالة نزاع مسلّح غير دولي، وادعى دوماً أن ما يقوم به يأتي في إطار محاربة الإرهاب، وهذا الأمر وضع الفئات المحمية أمام تداعيات خطيرة منها: عدم خضوع الدولة للقانون الدولي الإنساني في إدارة عملياتها القتالية ضدّ المعارضة المسلّحة، وبالتالي عدم السماح لهيئات العمل الإنساني بالقيام بعملها في سورية، وفي كثير من الأحيان عدم السماح أساساً بوجود هيئات العمل الإنساني على الأرض، باعتبار أن القضية “شأن داخلي” في إطار مكافحة الإرهاب، وإطار التطبيق القانوني لها هو القانون الوطني السوري الداخلي وليس الدولي.

طلعنا عالحرية
مجلة مستقلة، تعنى بشؤون الثورة السورية، نصف شهرية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي عدد من مخيمات اللجوء والتجمعات السورية في الخارج
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى