مقالات رأي

التفـّـاح

رواق 

زاوية شهرية تسلط الضوء على الماضي والحاضر وتداعب المشاعر والعقل وتقف في وجه اليأس، وتضع النقاط على الحروف..

يكتبها أنور عباس

يشغل التفاح مكانة صوفية عند السوريين لا تحظى بها بقية الفاكهة التي تجاوره في مواطن نموه، كالدراق والكرز والإجاص؛ إذ يرتبط بجبل العرب وشهامة أهله، وجرود القلمون وشموخها، والجولان حيث الحلم يمتدّ من الأرض نحو السماء، في رحلة تعيد الاعتبار لخروج أبينا آدم منها مطروداً بسبب تفاحة أكلها بعد أن أغواه إبليس. وتفاحة الثورة هي الزبداني، التي كانت تتوق لتلاقي عنب داريا، وزيتون إدلب، وقمح حوران وفستق حلب وقطن الجزيرة وليمون الساحل على قمم الحرية والعدل.

وللتفاح منظر جميل، يسرّ العين، ورائحة تجول في الأنف حتى تبلغ القلب. وهو أصفر أو أحمر أو أخضر، وفيه لونان من ألوان علم الثورة السورية والاستقلال. ومن أحمره ما هو قانٍ كقلب عاشق متيم، أو دم شهيد قدم روحه في سبيل الحرية، ومنه ما هو فاتح كبشرة صبية لوحتها شمس حارقة في صيف طويل تنتظر خبراً من حبيب لها أغرته الثورة فأخذ بسلاحه يذود عن حياضها. ومنه الصغير والكبير، والحلو والحامض شأنه شأن الحياة، والغالي والرخيص، لكنه يبقى جميلاً بجمال غروب الشمس على رمال السمرة في أقصى شمال سوريا العطر.

ومن المدهش أن ترى التفاح يحمل مثل هذه المكانة السامية رغم تحميله وزر هبوط الإنسان من أعالي السماء، حيث الجنان تجري من تحتها الأنهار، والحور العين، والأبدية المطلقة، إلى الأرض، حيث الفناء، والسعي وراء الرزق نجاحاً وفشلاً، والهروب من الظالمين، والموت بالبراميل أو برصاص قناص غادر، هجرته روحه إلى الأبد، أو على يد محقق لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه الميت، أو في غمار بحر غاضب في رحلته نحو الأمان.

وللتفاح مكانة تاريخية أيضاً، فهو حسب المرجح، أول الفاكهة التي تمت زراعتها، وكان ذلك في بلاد الأناضول، وينسب الفضل للاسكندر المقدوني في استقدام شجرته القزم، التي تعد اليوم الأب الحقيقي لكثير من أنواع التفاح، ليتم استنباتها وتحسينها في أوروبا، إلى أن وصلت إلى أمريكا على يد المستعمرين. ويروى بأن أول مزرعة للتفاح أقيمت في العالم الجديد كانت بالقرب من مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن التفاح سرعان ما انتشر في تلك البلاد، وظهرت منه سلالات جديدة وجدت طريق العودة إلى العالم القديم، لتصبح أكثر انتشاراً من آبائها الذين عاشوا هنا، ما يذكرنا بكثير من الأفكار والتقنيات التي نستخدمها اليوم بعد أن وفدت إلينا من ذات الأرض البعيدة.

ولم يغب التفاح عن المعتقدات الدينية الوثنية والتوحيدية على حد سواء، ففي الديانات الأوربية القديمة يظهر التفاح في الأساطير الإسكندنافية حيث تصور الآلهة أيون وهي تقدم التفاح للآلهة، لتمنحهم الشباب الأبدي. وتربط الأساطير النرويجية التفاح بالخصوبة، وتروي بأن الآلهة أرسلت تفاحة إلى الملك ريرير عندما طلب أولاداً من الآلهة أودين. وتصور الآلهة الجرمانية نيهالينا مع التفاح أحياناً، وتعج القصص الإيرلندية المبكرة بإشارات مشابهة إلى التفاح.

وقد أتى التفاح إلى أوربا مع الرومان الذين جلبوه من الشرق الأدنى.

أما لدى الإغريق فالتفاح فاكهة ممنوعة وباطنية وتشير إلى فواكه أخرى أحياناً، لكن الأسطورة تقول بأن أفروديت قد أغرت أحد الملوك بامرأة جميلة لتثبت حقها في تفاحة ذهبية ألقيت على زفاف باليوس وثيتيس وتنافست عليها ثلاثة نساء، كانت أفروديت إحداهن، وحصلت عليها، وهذه يعيدنا إلى هالة الإغراء التي يتمتع بها التفاح بين أقرانه من الفاكهة.

وفي الإنجيل، لم يرد ذكر التفاح أبداً بوصفه الفاكهة التي أخرجت آدم من السماء، لكن المرجح بأن الفكرة أتت من لوحات الفنانين الأوروبيين في عصر النهضة الذي استخدموا عناصر مختلطة في لوحاتهم يعود بعضها للأساطير الإغريقية التي يظهر فيها التفاح، فأصبح الاعتقاد الشعبي بأن التفاحة هي الفاكهة المحرمة التي أخرجت الإنسان من الجنة إلى الأرض.

وفي اليهودية يؤكل التفاح مع العسل في يوم السنة الجديدة تفاؤلاً بعام جديد حلو مليء بالسعادة. والتفاح هو سبب طلاق لبابة بنت عبد الله بنت جعفر الطيار من عبد الملك بن مروان، إذ تروي الكتب بأنه أكل قضمة من تفاحة وقدمها لها لتكملها، فتناولت سكيناً ونظفت الجزء الذي أكل منه قبل أن تأكلها، فما كان منه إلا أن طلقها بسبب تفاحة.

أما هارون الرشيد فقد قال في التفاح بعد أن أهدته واحدةً منها جاريته اللعوب: “أحسن الفاكهة التفاح، اجتمع فيه الصفرة الدرية، والحمرة الخمرية، والشقرة الذهبية، وبياض الفضة، يلذ بها من الحواس، العين ببهجتها، والأنف بريحها، والفم بطعمها”. ويقال بأن أرسطو طلب من تلاميذه تفاحة يشتم رائحتها وهو على فراش الموت.

وللتفاح فوائد غذائية كثيرة، وهو الذي قيل إن واحدة منه تبعد الطبيب عن الدار، فهو يقوي الدماغ والقلب، والمعدة، ويفيد في علاج آلام المفاصل والخفقان، يسكن العطس، ويوقف القيء، ويذهب عسر التنفس ويصلح الكبد، وينقي الدم من السموم، ويقوي عضلة القلب، وبذوره تقتل دود البطن. والتفاح غني بفيتامينات ألف وباء وجيم، ويحتوي على مواد سكرية وبروتين ومواد دهنية وبكتينية وأحماض عضوية وأملاح معدنية، مما لاغنى عنه في تغذيه الخلايا وإنمائها وتقوية العظام وتجديد الخلايا العصبية، ويعتبر مصدراً مهماً لتخليص الجسم من السموم، كما أن عصيره يقتل الفيروسات والميكروبات في الجسد.

وتبقى خدود صبية جميلة تتمايل في مشيتها قبل الغروب أكثر ما يُشَبًّه به التفاحُ جمالاً وجلالاً ورقةً وإغراءً وطيباً وعطراً وتعبيراً عن لوعة عاشقٍ محروم، إذ تَحمرُ مثله خجلاً، وتنعم ملمساً وتشتد قواماً، وتهدي نفسها لقبلةٍ عاشقةٍ في خفرٍ يشبه خدود تفاحةٍ تغازلها شمس الصيف فتضفي عليها سحراً مكنوناً يداعب شغاف قلبٍ صغيرٍ في يومٍ صيفيٍ طويلٍ، طويل، بعد أن تنال منه وطرها.

*******************

  • قيل بأن القبلة هي أول وسيلة للتواصل عرفتها البشرية، ونالت بعد ذلك نصيبها من القمع والمنع والتجريم والتحريم شأنها شأن الكلمة والشعر والحرية.
  • عندما ترشح لمنصب الرئيس، اكتشف أنه لا يمتك من صفات الخداع والمماطلة والكذب والنفاق ما يؤهله لذلك المنصب.
  • قيل إن السياسة هي فن الممكن، ورغم أنني أنفقت سنوات طويلة أحاول فهم تلك العبارة، إلا أنني أصبحت لاجئاً في نهاية المطاف.
  • هناك نوعان من البشر. أنا وأنت ونوع ثانِ لا أُقرُّ به، ينتمي إليه مؤيدو الاستبداد والمطبلون للجلاد والراقصون على جثث الأبرياء وأحلام الفقراء، إن جاز التعبير طبعاً.
  • تمتاز المرأة بحسن التدبير، ويمتاز الرجل بقدرته على إحباط كل محاولاتها في سبيل ذلك.
  • تعجبني أولئك النَسَوِيات اللائي يِحولنَ الرجلَ إلى عدوٍ تاريخي، ويذكرنني بأدبيات الممانعة التي يدين بها المقاومون للمشاريع الخارجية والمؤامرات الكونية دون الاعتراف بدورهم فيما نحن فيه.
  • كانت تجاعيد وجه جدتي وجدائلها الطويلة تلخص كل تاريخ قريتنا الذي اندثر تحت جنازير دبابات بشار الأسد.

 

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى