الافتتاحيات

افتتاحية العدد 62: ماذا بعد الاغتيالات؟

بدأت عمليّات الاغتيال الممنهجة تأخذ مسارها، وبدأت عمليات التصفيّة تشير إلى حلّ مفروضٍ من الأعلى، تمثّل ذلك أيضًا بنقل مجموعات عسكرية من مناطق لمناطق، ونقل مجموعات سكانية وإحلال مجموعات أخرى بديلة تحضيرًا للتقسيم، وبرعاية دوليّة. أنصاف الأعداء لم يعد لهم معنى، وأنصاف الأصدقاء كذلك، كلّ طرف سيقتل من يشكل عليه خطرًا، حقيقيًا كان أم محتملاً، اللاعبون الكبار يضغطون على من هم أصغر منهم بقتل بيادقهم، والبيدق المقتول خيرٌ من الحيّ إذ أنه يجلب لصاحبه المؤازرة والتضامن، ويعطي أنصارَه المتعطشين لبطلٍ صنمًا سيأكلونه لاحقًا.

في لعبة الحرب، هذه نتيجة حتمية وسياق تاريخيّ، الاغتيال أداة حرب مهما كان نوعه، معنويًا كان أم جسديًا، ولكنه في صيغته الجسدية يمثّل أعلى مراحل تصعيد الصراع الذي يأتي بعده هبوط وتنازل بالضرورة، وفي هذا السياق كانت لدينا منذ بداية التسليح أسئلتنا الأولى عن آلية حلّ الصراع، وسحب السلاح، وتحييد أمراء الحرب، وكنّا نخشى أن نتحوّل إلى ليبيا جديدة –صرنا أسوأ منها- وكنّا نسأل عن هؤلاء الذين يتم تلميعهم سياسيًّا وعسكريًّا ليكونوا قادةً: كيف ستتم محاكمتهم؟ وهل سيتحوّلون إلى طغاةٍ جدد بحجم القدامى؟ أم ستتم تنحيتهم من قبل من رفعهم؟ الجواب الأكثر منطقيّة -والذي أثبت نبوءته اليوم- جائني من عميد طيّار منشق عن النظام السوري، قال لي وقتها: “هؤلاء لن يكونوا جزءًا من المرحلة الانتقالية، ستتم تصفيتهم”

وكذلك كانت ثنائيات الاغتيال واضحة ابتداء من تفجير خليّة الأزمة، مرورًا باغتيال قادة أحرار الشام، وصولاً إلى سمير القنطار وانتهاءً بزهران علّوش.

وفي المقابل، فإن الاغتيالات لم تكن محصورةً في أمراء الحرب والقادة العسكريين، بل شملت أي شخصٍ مؤثرٍ ويمكن أن يشكل خطرًا على المشروع المفروض من الأعلى، فقد اغتال النظام معارضيه معنويًا وجسديًا منذ البداية “معن العودات، غياث مطر، مشعل تمو، وغيرهم” واغتالت المعارضة المرتهنة لهنا وهناك خصومها ومنافسيها معنويًا وجسديًا أيضًا، ونذكر عبد العزيز الخير “مجهول المصير” على سبيل المثال لا الحصر، فقد اغتاله النظام معنويًا حين خوّنه واعتقله وعذّبه، واغتالته المعارضة معنويًا حين أرسلت مأجوريها لضربه بالبيض في القاهرة وخوّنته وأطلقت الشائعات ضده، واغتيل صوته وذكره أيضًا حتى بات خبر تصفيته الجسدية اليوم متوقعًا وغير مفجع.

بالعودة إلى الاغتيالات التي حصلت مؤخرًا والتي كان أقساها اغتيال الزميل ناجي الجرف الذي لا يمثّل حالة القائد العسكري ولا السياسي “البيدق” بل يمثّل حالة التوافق الشعبي الكبير على دعم ما يمثّله، بعد اغتياله، ولا أظنّ أنها كانت بهذا الحجم قبل الاغتيال وهذا مفهوم من طبيعة مجتمعاتنا التي تذكر محاسن موتاها لا أحيائها، إلا أننا هنا نقرأ إشارات جليّة، ورسائل إلينا كسوريّين من الأقطاب الكبرى المتحكمة، مفادها: “نحن لا ننهي مهمّة قادة وأمراء حرب ونغتالهم وحسب، بل نغتالكم جميعًا، ونغتال صوتكم في حال خالف إرادتنا ومشروعنا”.

وبهذا السياق، كنت قد كتبتُ سابقًا عن تفاؤلي بحلّ قريب، وها أنا أعود عنه وأدرك تمامًا أن القادم لا يقل سوءًا إن لم يكن أسوأ!.

رامي العاشق
شاعر وكاتب صحافي من سوريا – فلسطين. رئيس تحرير صحيفة "أبواب" ومحرر القسم الثقافي سابقاً في مجلة "طلعنا عالحرية". صدر له في الشعر "سيرًا على الأحلام" 2014 عن دار الأيام – الأردن، وله كتابان قيد الطبع في الشعر "لم ينتبه أحد لموتك" و"لابس تياب السفر" في الشعر المحكي. يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية والألمانية. ترجمت نصوصه وقصائده إلى لغات عديدة كالإنكليزية والألمانية والبوسنية. يعيش في ألمانيا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2014 بعد استضافته من قبل مؤسسة الأديب الألماني "هاينرش بول" في منحة تفرّغ إبداعي للكتابة.
اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى