الافتتاحيات

افتتاحية العدد 58 / واقعية أكثر.. آمال وأحلام أقل..

مع اقتراب أي حراك سياسي دولي نحو حل الأزمة السورية تتعالى الأصوات من مختلف جهات المعارضة السورية والعديد من الشخصيات النافذة إعلامياً وسياسياً، برفض المشاركة الإيرانية، وربما أيضاً الروسية، في نوع من الإفراط في الأوهام والرغبوية.

وبغض النظر عن نتائج مؤتمر فيينا الأخير، والذي كان فيه وجود إيران وغيرها مقدماً على وجود المعارضة السورية، ومع أننا لا نعلق الآمال على هذه التحركات والمؤتمرات، إلا أننا ندعو إلى تغليب التفكير الواقعي والموضوعي لدى قيادات المعارضة المخولة بإنهاء عذابات السوريين وتشردهم، والتي للأسف لم ترسّخ حتى الآن إلا فشلها واصطفافها الموضوعي ضد مصالح السوريين.

فبعد خمس سنوات من الحرب الطاحنة في سوريا وعلى سوريا، من المفترض أن يكون قد وضح  لكل من هو معني بحل الأزمة السورية أن لا حلول واقعية يمكنها تجاهل مصالح إيران وروسيا، بل أن عقدة الربط والحل تبدو أكثر فأكثر بيد الأخيرة.

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فيبدو مستهجناً حدّ الذهول اعتقاد بعض السوريين وعلى الأخص منهم القيادات بوجود حلفاء وأصدقاء للشعب السوري يمكن الاعتماد على إراداتهم لحل الأزمة السورية. بل إنه ليبدو من الغباء المفجع الاعتقاد بأن أمريكا وحلفاءها يريدون مصلحة سوريا والسوريين أكثر مما تريده قوى أخرى، أو أن سياسات قطر والسعودية -مثلاً- تجاه الربيع العربي عموماً كانت أقل شراً وخراباً من سياسات إيران وروسيا.

يبدو من الثابت اليوم أن لا حلفاء واقعيين للسوريين، ويبدو من أقل الواجب الملقى على عاتق قيادات المعارضة الاعتراف بأخطائها، بل وبقزميتها أمام تضحيات شعبها العظيمة والتي لم تدانيها تضحيات شعب آخر في العقود الأخيرة، وعلى عاتق هذه القيادات يقع أمر السعي من أجل إيقاف هذه المعاناة المستمرة بكل السبل الممكنة وعلى قاعدة الاعتراف بالواقع.

والاعتراف بالواقع يعني أولاً أن صراع الدول على أرضنا ومقدراتنا وحاضرنا ومستقبلنا لا يخدم إلا مصالح تلك الدول ومخططاتها المختلفة للمنطقة، وأنه، ومع شديد الأسف، لا يمكن استبعاد أية جهة دولية لأنها ليست على مزاجنا، وواقعنا الصعب لا يتيح الانتقائية، وإذا كان اجتراح الحلول من خلال موقف عقلاني وموحد لعموم السوريين يبدو بعيد المنال اليوم، فلا مناص من التعامل مع الواقع والقبول بالتفاوض حول الحلول المغايرة للآمال والأحلام من أجل وقف نزيف الدم ونزيف البشر المتدفق عبر البحار والبراري.

Comments

comments

إلى الأعلى