ثقافة

“إجهاض على الورق”

(1)
ها !!؟
ماذا؟!
هل أجهضتَها أخيرًا على الورق؟!
همدَ القرعُ اللّيليُّ على جدرانِ رأسِكَ من الدّاخل؟!!
تحسّنَت أعراضُ الأرَقِ لديك؟
(2)
أجهضْتَ القصيدةَ
الّتي -قبْلَ أن تولدَ-
كانت تجعلُكَ تظنُّ أنَّ ما تُكنُّهُ لتلكَ الفتاةِ
هو حبٌّ صَرْف.. حبٌّ تمامًا..
الآنَ بإمكانِكَ أن تتركَ حقائبكَ جانبًا و تذهبَ إليها..
تحدّثْ إليها عن كلِّ شيءٍ بشكلِهِ الخام
دونما استعاراتٍ أو صور شعريّة
و اصطحب في جيبِكَ ظرفَ حبوبٍ مسكّنةٍ
كـ “خُطّة ب”

 

(3)
مهلاً..
مهلاً يا أبا “لا شيء”!!
يبدو أنّها تتنفّس..
ثمّةَ ما يشبهُ النّبض
… .
… .
يااااااااه
إنّها تشبهكَ كثيرًا
ماذا ستسمّيها؟

 

 

(4)
انتظر..
لا تُسمِّها بعد..
إنّها لا تشبهكَ وحدك
* * *

 

تشبهُ وجوهَ أصدقائكَ المغضوبِ عليهم
أنت تذكرُ تمامًا حينَ أصابكَ ما يشبهُ دغدغةَ النّشوة
لدى أوّلِ غمزةٍ في “التّابوهاتِ”
تغامزتم بها بينكم بشكلٍ عفوي

 

* * *

تشبهُ كثيرًا رائحةَ صديقِكَ
الّتي تنشّقتها ملءَ رئتيكَ
عندما عانقتَهُ بعدَ خروجهِ من تلكَ الأقبية
الّتي لم يعد يستطيع تحديدَ مكانها الجغرافيّ
و لم يعد يريدُ تحديدَ مكانها على جسدِه

 

* * *

تشبهُ أنفاسكَ المضمّخةَ بما سيصبحُ ذكريات..
أنفاسكَ الّتي زفرتها على حزامِ الحقيبةِ فوق كتفِه
عندما عانقتَهُ مودِّعًا جزءًا منكَ فيه
جزءًا لا يملكُ خطّةً واضحةً للعودة

* * *

تشبهُ أيضًا طوابيرَ الشّبان
الّذين يصطنعونَ الصّلابة
و يحاولونَ إخفاءَ ارتعاشاتِ أيديهِم
الممسكةِ بتلكَ الدّفاترِ الصّغيرة
الشّبّان الّذينَ يتحوّلُ أسلوبُ حياتهم إلى انتظارٍ خشن
لمدّةِ أسبوعٍ على الأقلِّ كلَّ سنة
للحصولِ على توقيعٍ وختمٍ
يشترونَ بهما سنةً أخرى من عُمرهم
كالسّمَك في الماء…
الشّبّان الّذين يخوضونَ في هذا الأسبوع
دورةً مكثّفّةً في أكثر أشكالِ الذّكورة فظاظةً
البذاءة الّتي لا شيءَ بين سطورها
تدخين لفافاتِ الانتظار الرّديئة
تبادل الخبرات حولَ حلاقةِ شعرِ العانةِ وإطلاقِ اللّحية
و تناول غداءٍ في نهايةِ يومِ انتظارٍ فارغ
وجبته الرّئيسة: لُحمةٌ وطنيّةٌ نيئة
الشّبّان الّذينَ يخلعونَ كلَّ ذلكَ على أبوابِ منازلهم
ثمَّ يعانقونَ أمّهاتِهم
* * *

 

 

تشبهُ محرّضَها الأساسيّ
تعابيرُ وجهِ الفتاةِ.. حينَ أدهشَكُما كمُّ تشابُهِكما
تلكَ التّعابير الّتي لم تزل ترافقُكَ في كلِّ شيء..
في كأسِ الشّاي بالحليب..
تحديدًا في الرّشفةِ الّتي غصَصْتَ بها
في المرآةِ الّتي تقلّبُ صفحاتِها كلَّما نظرتَ فيها..
تحديدًا في الصّفحةِ الّتي لم تميِّزْ نفسَك فيها من النّظرةِ الأولى
في نفَسِ معسّلِ التُّفاحتين..
تحديدًا في المجّةِ الّتي ابتلعتَ فيها التُّفّاحتين معًا..
دونما سُعال
فحبَستَ قربَ حنجرتِكَ ثلاثَ خطايا كاملة
* * *
تشبهُ لقاءاتِكُما التّالية..
لقاءاتِكما الّتي كنتَ تحاولُ أن تحتفظَ منها بأكبر قدرٍ من التّفاصيل
وِسْع رئتيكَ من رائحتها و رائحةِ المكان
وسع ذاكرتِكَ البصريّةِ من تعابيرِ وجهِها
وسع ذاكرتِكَ الشّعريّةِ من كلِّ ما تقولُه
وسع ذاكرتِك السّمعيّةِ من نبرةِ كلِّ ما تقوله

 

(5)
على رسلِكَ يا “أبا كلِّ ذلك”
“كلُّ ذلكَ” لايحدثُ إلّا في الظّروفِ المؤاتية
لا يحدثُ إلّا ضمنَ بيئتهِ الطّبيعيّة
“كلُّ ذلكَ” أجزاءٌ منك
أجزاءٌ مضمونة
لن تتّسعَ لها حقائبكَ المُعدّةُ للسّفرِ نحوَ احتمالات..
لأنَّ حقائبك ستكون مملوءةً بأجزائك المتبقّية
أجزائك الّتي لن تملكَ خطّةً واضحةً للعودة
و ذكرياتِكَ
الّتي أجهضتَها أخيرًا على الورق…

 

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى